542

{ قال رب اغفر لى } جريه إلى برأسه، أو ذنوبى كلها فدخل جره إياه أولا وبالذات { ولأخى } ما كان منه من تقصير فى كفهم، وهذا على التوهم، أو ما يمكن أن يكون منه من تقصير، أو ذنوبه كلها فيدخل التقصير أولا بالذات، أشركه فى الدعاء إرضاء له ودفعا لشماتة الأعداء وهى من أشد البلايا حتى قال الشاعر: والموت دون شماتة الأعداء. ولم يقل وقال رب اغفر لى بالواو لأنه استئناف بيانى ناشئ من اعتذار هارون، كأنه قيل: فماذا قال موسى عند اعتذار هارون. فقال الله عز وجل: { قال رب اغفر لى ولأخى } { وأدخلنا فى رحمتك وأنت أرحم الراحمين } لم يقل وأدخلنى وأخى، أو أدخلنى وإياه كما قال: رب اغفر لى ولأخى، لظهور مرجع الضمير بخلاف الأول فإنه أو قال: رب اغفر لنا لم يصرح بأخيه، والقصد التصريح إرضاء ودفعا للشماتة، ولأمكن توهم التعظيم أو تعميم غير هارون دونه " وأدخلنا فى رحمتك " أبلغ من ارحمنا، لدلالته على إحاطة الرحمة بهم كأنها ظرف لهم، وأنت أرحم بنا منا على أنفسنا.

[7.152]

{ إن الذين اتخذوا العجل } أى إنهم، ووضع الظاهر موضع المضمر، أى إنهم صاغوه من الحلى، أو اتخذوه إلها، وفى التوراة: لا تتخذوا الصور المنسوبة للحياة، ولم يخص النهى بعبادتها، { سينالهم } فى أنفسهم وأعقابهم، وما ينال العقب كأنه نال السلف فى التوجع وبالعكس { غضب من ربهم وذلة فى الحياة الدنيا } هذا من جملة ما أوحى الله إلى موسى صلى الله عليه وسلم حين أخبره بأمر العجل عند الطور، أو فى رجوعه قبل الوصول أو بعد الوصول، فالاستقبال باعتبار تلك الأزمنة لا باعتبار نزول القرآن، وغضب الله هنا فعل لا صفة لأنه عذابهم فى الدنيا والاخرة، إلا أن يقال سينالهم مقتضى غضبه أى علمه وقضاؤه. والمراد القتل لأنفسهم ومن غيرهم والجزية والجلاء والمسكنة وعذاب جهنم، وهوانهم فى الدنيا والآخرة، ومن ذلك لا مساس، قيل: وتحريق إلههم ونسفه فى اليم، ولعل تحريقه ونسفه لا يحزنون به لأنه يتبادر لما زجرهم عليه السلام ثابت إليهم عقولهم، وقد شاهدنا قضية لا مساس بمد الغربى أو غيره يده إلى يده فيغطى يده بنحو ثوب فيمس بها مطوية يد المغربى، وأقروا أن ذلك لحمى تصيبه بالمس مباشرة { وكذلك نجزى المفترين } أى نجزيهم على هذا الوصف وهو الافتراء بالإشتراك، وهو تكرير لذكر فعله بهم، ووصف الشئ غير وقوعه، فليس ذلك تشبيه الشئ بنفسه، أو المراد المفترون غير هؤلاء أو هؤلاء مع غيرهم إن حييوا، أو تكرر افتراؤهم ولا فرية أعظم من قولهم: هذا إلهكم وإله موسى، فإن فرعون فى عتوه لعله لم يقل لقومه هذه الآلهة آلهة لكم ولموسى، ولعله لم يفتر أحد مثلها قبلهم ولا بعدهم ولا معهم، ووصفهم بالافتراء لا ينافى أنهم ماتوا شهداء بقتلهم أنفسهم توبة وطاعة لأمر الله كما تصف الزانى بالزنى بعد توبته، والقاذف بالقذف بعد توبته ولو أخرج الحد منهما، يزنى ويتوب وترجمه وتجلده فتقول: زنى وفعلنا به ذلك، وتقول افترى ولو جلد، إلا أنه ليس كل مفتر على الله يجزى بهذا الجزاء الذى منه قتلهم أنفسهم الذى فى ظاهره قهر وباطنه لطف، والجواب أن التشبيه فى نفس الجزاء لا فى خصوص الجزاء، وقيل سينال أولاد الذين عبدوا العجل، وهم الذين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والذلة والغضب ما أصاب النضير وقريظة من القتل والجلاء والجزية، أو ذلك من تعيير الأبناء بما فعل الآباء. وقيل المراد بالذين المتخذون، وبهاء ينالهم أخلافهم، وبالغضب الغضب الأخروى، وبالذلة الجزية ونحوها كما فعل بهم بخت نصر.

[7.153]

{ والذين عملوا } من هؤلاء وغيرهم { السيئات } الإشراك وما دونه { ثم تابوا من بعدها } بعد عملها { وآمنوا } عطف سابق على لاحق، فإن الإيمان قبل التوبة أى ثم آمنوا وتابوا، أو أريد بالإيمان مسببه وهو الثبات عليه والعمل بمقتضاه، أو نزل الإيمان الثابت مع المعاصى أو الشرك منزلة العدم، فقال: ثم تابوا وآمنوا أى أخلصوا، والمراد بالإيمان هنا فى عبارتى مجرد التصديق، والتوبة ترك الكفر، ولا يلزم منه الإيمان لإمكان خلو النهى عنهما، أو الإيمان بأن الله سبحانه يقبل توبة التائب { إن ربك من بعدها لغفور رحيم } أى لغفور لذنوبهم منعم عليهم من بعد السيئات لتوبتهم، ولا يعاظم الله شئ أو من بعد التوبة المعلومة من تابوا، والأول أولى لأنه أشد إدخالا فى الطمع، وإبعادا عن الإياس.

[7.154]

{ ولما سكت عن موسى الغضب } أى انكف وزال، مجاز مرسل تبعى لعلاقة الإطلاق والتقييد أو أحدهما، فإن السكوت موضوع لانقطاع الكلام، واعتبر لمطلق الانقطاع، فاستعمل فى جزئى من هذا الانقطاع المطلق، وهو الغضب، أو شبه انقطاع الغضب بانقطاع الكلام فسماه سكوتا، واشتق منه سكت، أو شبه الغضب بإنسان يغرى موسى عليه الصلاة والسلام ويقول له: قل لقومك كذا وكذا، أو ألق الألواح وخذ برأس أخيك. واجرره إليك. ثم يسكت. ورمز إلى ذلك باللازم وهو السكوت، فهو تخييل أو استعارة تصريحية { أخذ الألواح } التى ألقاها كلها لأن المعهود الكل وأل للعهد، وتقدم بحث ذلك { وفى نسختها } أى فيما كتب فيها فعلة بمعنى مفعولة، أى فى مكتوبها وهو الحروف كما هو ظاهر، أو الألفاظ بواسطة الحروف، أو المعانى بواسطة الألفاظ المدلول عليها بالحروف. أو المراد ما نسخ موسى من الألواح المكسورة، وهو أنسب لأن أصل النسخ غير الكتابة الأولى، إلا أن يعتبر أن الألواح نسخت من اللوح المحفوظ، وقال عطاء: فى نسختها، ما بقى منها. وقيل: لقن الله التوراة لموسى فنسخها من قلبه فى الألواح المذكورة، والمشهور أنها جاءت مكتوبة من الله عز وجل { هدى } من الضلال إلى الحق فى الدنيا { ورحمة } أى إنعام فيها وفى الآخرة، أو إرشاد إلى الصلاح دينا ودنيا { للذين } تنازعه هدى ورحمة، أو هو نعت لهما { هم لربهم } منصوب بقوله { يرهبون } وقوى باللام لضعفه بتقديم المنصوب، فهى لام التقوية كقوله تعالى

إن كنتم للرؤيا تعبرون

[يوسف: 43] والأصل الذين هم يرهبون ربهم، أو التقدير يرهبون المعاصى أو العقاب لأجل ربهم، فاللام للتعليل والتقديم على كل وجه للاختصاص والفاصلة، وعلى طريقة العرب فى التقديم للاهتمام.

[7.155]

অজানা পৃষ্ঠা