536

وبلوناهم بالحسنات والسيئات

[الأعراف: 168]

ونبلوكم بالشر والخير فتنة

[الأنبياء: 35] ويجوز أن يراد الامتحان والنعمة استعمالا للكلمة فى معانيها.

[7.142]

{ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة } ثلاثين مفعول ثان لواعدنا، وهو نفس الموعود، والمراد وعد عبادة عظيمة أى واعدناه إياها بالعبادة فيها، وليس ظرفا، وكأنه قيل: واعدناه عبادتها أو تمامها، أو مكثها منه وإنزال الكتاب منا. وذلك أن المواعدة من الله ومنه، والثلاثون هى ليالى ذى القعدة، صارت ثلاثين لا تسعة وعشرين، أمره بصومها فصام لياليها وأيامها، لا لياليها فقط بأمر الله، على أن يعطيه التوراة ويكمله على تمامها، ولما تمت كره أن يلقى الله بريح فم الصوم فمضغ شيئا من نبات الأرض أو تسوك بعود خرنوب، أو أكل من ورق الشجر، فقال الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك، وفى قولهم كنا نشم تفسير لما روى أنه أوحى الله إليه: لا أكلمك حتى يعود فوك إلى ما كان عليه، أما علمت أن ريح فم الصائم أحب إلى - أى إلى ملائكتى - من ريح المسك، وأمره بصوم عشرة من ذى الحجة آخرها يوم العيد، كما قال { وأتممناها } أى الثلاثين زدنا عليها ما يتم به شأنها، فلا يقال هى تامة فى نفسها بعددها فكيف يتم عددها، أو أتممنا المواعدة المعلومة من واعدنا { بعشر } بليال عشر صامها ليلا ونهارا، أقدره على ذلك فى أربعين يوما، أو كان يفطر عند الغروب فقط، والوصال مباح للأنبياء خاصة، أو مع أممهم السابقة، وشاركتهم الصحابة أول الأمر ثم نسخ جوازه لغير النبى صلى الله عليه وسلم { فتم ميقات ربه } الميقات ما قدر فيه عمل الوقت، وما وقت لشئ قدر أم لم يقدر { أربعين ليلة } أى بالغا أربعين ليلة، أو حال كون ميقاته أربعين، أو ظرف على تأويل أن كل جزء من الأربعين به التمام، إذ لو لم يكن لم يحصل التمام، وزعم بعض أن أربعين حال، إذ ناب عن الحال وهو بالغا، ورده أبو حيان بأن مفعول الحال لا يسمى حالا، وردوا عليه تعصبا بأن النحاة يسمون معمول العامل باسم العامل كما يسمون الظرف خبرا، وهذا خطأ، والصواب مع أبى حيان لأن الظرف يسمى خبرا لتضمنه معنى الخبر الاستقرارى، وإذا حذف المنعوت المخبر به فإنما يطلق على النعت أنه خبر لأنه جئ به على معنى الإخبار به، وهكذا ولا يتوهم أن أربعين بمعنى إلا من لم يبلغ العقد، وآخرها يوم العيد، أو ثلاثين ذى الحجة تمت بعشرة من المحرم آخرها يوم عاشوراء فكلمه الله آخر يوم عيد الأضحى أو آخر يوم عاشوراء، وعده الله أن يهلك فرعون ثم ينزل عليه كتابا فيه ما تفعل بنو إسرائيل وما تذر، فأمره الله عز وجل أن يصوم الأربعين كما أجمل فى سورة البقرة، وفصل هنا بثلاثين وعشرة، وقيل الثلاثون للتقرب، والعشرة لإنزال التوراة، وللكلام فى الجزء الأخير منها أو بعد تمامها، وفيها وقعت قصة العجل، وما نزل فى العشرة أو آخرها أو بعد تمامها صح أنه نزل فى الأربعين أو بعد تمامها، ولكن خصت العشرة بالإنزال لأنها أعدت له { وقال موسى لأخيه هارون } حين ذهب إلى الطور للمناجاة { اخلفنى فى قومى } قم فيهم مقامى بالأمر والنهى والتعلم، وهذا يدل أن موسى أصل فى النبوة لهارون قوة وسبقا لأنه أضاف القوم لنفسه، وجعل هارون عليه الصلاة والسلام تبعا له.

وهارون رسول من الله عز وجل استقلالا، ورسول من موسى تبعا وخلافة { وأصلح } أمورهم ولا تترك فيهم فسادا، أو احملهم على عبادة الله عز وجل، أو مفعول له، أى كن ذا إصلاح فيهم، وإما مواظبة { ولا تتبع سبيل المفسدين } دم على عدم اتباع سبيلهم فى الإفساد والدعاء إليه.

[7.143]

{ ولما جاء موسى لميقاتنا } يوم الخميس يوم عرفة كلمه الله فيه وأعطاه التوراة صبيحة يوم الجمعة يوم النحر، أو ذلك يوم عاشوراء { وكلمه ربه } صير الله الأرض مظلمة مع الطور سبعة فراسخ أو أربعة من كل جهة حين جاء للمناجاة، وطرد شيطان موسى وهوام الأرض، ونحى ملكيه وكشط السماء ورأى العرش والملائكة عابدين لله فى الهواء، وسمع صرير أقلام الملائكة وكلمة الله، ولم يسمع جبريل مع أنه معه، أنشأ الله له كلاما وسمعه من كل جهة وفى جميع جسده، خلقه الله فى ذلك أو حيث شاء من الهواء أو من الشجر أو من الأرض أو من الجبل فسمعه حروفا وأصواتا، وروى أنه كلمه باثنى عشر مائة لغة ولم يفهم حتى كلمه بلغته، وأول ما كلمه بلغة البربر وذاك ألف ومائتا لغة، ويروى كلمه بألف لغة وكان يصف كلامه تعالى بالرعد القاصف مع حلاوته له عليه السلام، وعدم صعوبته، وقد قال أبو منصور الماتريدي أنه خلق له الكلام فى الشجرة، وروى: سمع صرير الأقلام بالكلمات العشرة، وأن ذلك كله أول يوم من ذى الحجة، ولا تقل سمع كلامه القديم، وهو صفة أزلية بلا صوت، لأن القديم لا ينتقل ونحن لا نثبت الكلام القديم النفسى، بل كلامه تعالى خلق الكلام أو نفى الخرس، أو إحاؤه، ولم يختص بإذنه ليعلم أنه من الله عز وجل لا من شيطان، كما روى أن إبليس غاص من بعيد حتى خرج من بين رجليه فقال له: إن مكلمك شيطان، وعلم موسى أنه من الله لسمعه من كل جهة وبجسده كله، ومن ذلك كان على وجهه مثل شعاع الشمس فغطاه ببرقع إذ لا يقدر أحد أن ينظر إليه، وقالت زوجه: لم أر وجهك منذ كلمك ربك، فكشفه لها، فأخذها مثل الشمس شعاع، فوضعت يدها على وجهها وخرت ساجدة، وقالت: ادع الله أن أكون زوجك فى الجنة، قال: ذلك إن لم تتزوجى بعدى، فإن المرأة لآخر أزواجها، { قال } على لسان الذاهبين معه، وقال قومنا: هو من قول موسى على ظاهره { رب } يا رب { أرنى } نفسك { أنظر إليك } أى أرك، أى أظهر لى أرك، أو قونى على أن أراك ولو لم تظهر لى، أو أزل مانع الرؤية أنظر إليك، ويقال: لما استحلى ما سمع من الكلام هاج به الشوق إلى طلب الرؤية، مع علمه بأنها لا تكون فى الدنيا ولا فى الآخرة، لأن ما نفيه مدح لا يختص انتفاؤه بزمان، ولأن المرئى جسم فى جهة مركب متلون، والله منزه عن ذلك، فإذا ادعى أن يرى بلا كيف فذلك تناقض، ونفى الإدراك ممنوع، فإذا رؤى فقد أدرك، ولو كان ذلك لا يطاق ولا يقدر على وصف، وانتفاء الرؤية ذاتى كما أن انتفاء الشبه ذاتى وما هو ذاتى لا يتخلف بالدنيا والآخرة ولا يخفى أن قدمه تعالى ينافى مباشرة الحادث، وإلا كان حادثا أو الحادث قديما، وكلا الأمرين باطل، ومعلوم أن القديم لا تحل به صفات الحادث والمخالف للحوادث لا تدركه الحوادث { قال لن ترانى } لم يقل لن تنظر إلى، إما لأن النظر هنا إما نفس الإدراك بالعين فذاك وإما توجيه الحدقة إلى جانب المرئى وغايتها حصول الرؤية، فذكر الرؤية.

وموسى منزه عن ذلك بل قال أصحابه، ونفى الرؤية مدح فلا يختص موسى بانتفائها، وإنما خص بالذكر لأنه طلبها بإفراد نفسه فأجابه على الإفراد فقال: لن ترانى، ولم يقل: لم أر بالبناء للمفعول على صيغة العموم، ولا يقال لو كان الطلب منهم لبين لهم أنهم أخطأوا، لأنا نقول أنكر عليهم كما أنكر عليهم إذ قالوا: اجعل لنا إلها، ولما تمادوا على طلب الرؤية أراد النص من الله لهم جمعا بين ما عنده من الدليل العقلى، وما يطلبه من الدليل السمعى، بل لو طلبها لعدم علمه بانتفائها لم يلزم شئ لأنه يطلب العلم من الله سبحانه، والنبوة لا تتوقف على العلم بجميع الأصول مرة قاله الحسن البصرى، ولا يقال: لو كان السؤال لهم لقال: أرهم ينظروا إليك، وقال الزيرونى: لأنا نقول: تكلم بصيغة نفسه عنهم لأنه إذا منع الرؤية فأولى أن يمنعوها، ومنع موسى منع لهم لاستحالتها، كأنه قيل: لست ممن يرى. كيف يحس الحادث القديم؟ { ولكن انظر إلى الجبل } هو جبل زبير وهو أعظم جبل بمدين وهو طور سيناء { فإن استقر مكانه } مع ظهور آية له { فسوف ترانى } هو لا يستقر له ولا يطيق وهو أقوى منك، فكيف تطيق مع ضعفك، فأحيا الله الجبل وجعل له العقل، وأظهر له آية فلم يستقر كما قال { فلما تجلى ربه للجبل } ظهر بظهور آية، وظهوره ظهور آية له، قيل أظهر له من نور عرشه قدر نصف أنملة الخنصر، رواه الحاكم حديثا، وقال الضحاك: مثل منخر الثور من نور الحجاب، والحجاب جسم مخصوص ليس الله حالا فيه كالعرش والكرسى ليس فيهما، وعن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار، مثل سم الخياط، وعن سهل بن سعد قدر الدرهم { جعله دكا } مدكوكا أو نفس الدك مبالغة، دقيق الأجزاء كالتراب، أو سوى بالأرض أو جعله كسرا، وقد قيل جعله جبالا صغارا ستة: أحدا وورقاء ورضوى بالمدينة. وثورا وثبيرا وحراء بمكة، وذلك كله لنور خلقه الله فكيف لو بدا الله جل عن صفة الخلق { وخر } سقط، يطلق ولو بلا صوت، وخصه بعض بماله صوت لجريه فى الهواء كالحجر الساقط من عال، وعليه فإطلاقه استعارة أو مجاز الإطلاق والتقييد، وذلك يوم عرفة، وإعطاء الكتاب يوم النحر { موسى صعقا } مغشيا عليه سكران لهول ما رأى من حال الجبل، وما نزل على الجبل من النور، وما يروى أنه حين صعق لكزته الملائكة بأرجلها وقالوا: أتطمع فى رؤيته يابن النساء الحيض أظنه كلاما وضعته اليهود كذبا { فلما أفاق } من صعقه { قال سبحانك } أسبحك عن أن ترى، وعن صفات الخلق دائما بلا انقطاع تسبيحا { تبت إليك } من سؤال الرؤية عن قومى بلا إذن { وأنا أول المؤمنين } من بنى إسرائيل بما أوحيت بأنك لا ترى، وأن صفات الخلق لا تليق بك ومنها رؤيتك فى الدنيا أو الآخرة، وكل ما أوحى إلى نبى من الأنبياء فذلك النبى هو أول من يؤمن به ممن معه أو بعده، وذلك من حيث أنه موحى إليه به ولو علم قبله أو علم بعده بدونه ودون وسائطه.

অজানা পৃষ্ঠা