505

{ قال الملأ } الأشراف سموا لأنهم يملأون صدور المحافل بأجسادهم، أعنى صدور مجالس الجماعات بجلالتهم وهيبتهم وأتباعهم والعيون بجمالهم وأبهتهم، أو لملاءتهم بالمعروف وجودة الرأى، ولم يقل الذين كفروا من قومه لأنه لم يؤمن أحد منهم بل آمن من آمن من قومه لا من ملئهم فى غير أول دعائه إياهم، بخلاف ما فى هود فمنهم من آمن فقال فيها ذلك واقتصر هنا على قوله { من قومه إنا لنراك } نعلمك { فى ضلال مبين } بترك دين آبائك وقومك، بالغوا بجعله مظروفا للضلال وإن واللام، ويقال والجملة الاسمية، ولذلك قابلهم بقوله فى قوله تعالى:

{ قال يا قوم ليس بى ضلالة } باستغراق الضلال بالنفى للنكرة أو بنفى الواحدة فضلا عن أن يكون الضلال ظرفا له محيطا به، والضلال عدم الاهتداء، وأصله الغيبة، ادعوا أنه غاب عن الحق فنفى ما ادعوه، ولو قال ليس بي ضلال لاحتمل نفى ضلالتين أو أكثر ونفى الضلال مطلقا، لأنه مصدر يصلح للقليل والكثير وأما ضلالة ففى تاء الواحدة ولا يقال المراد نفى الماهية فيكون أبلغ لأنا نقول الماهية ليست بمعنى الوحدة أو القلة، بل تصدق بالقليل والكثير، وناداهم يا قوم استجلابا إلى الحق، وقابل الضلالة بمرادف ضدها وهو الهدى فى قوله { ولكنى رسول من رب العالمين } لأنه من كان رسولا من الله فهو على الهدى فى الغاية، لأن صيغة الاستدراك قد تكون للتأكيد بنحو لست بنائم لكنى مستيقظ، أو لما أرادوا بضلاله أنه ترك دين آبائه وأنه ادعى الرسالة ونفى الضلالة توهم أنه ترك دين آبائهم، أنه ترك دعوى الرسالة فأتبعها بالاستدراك، أو المعنى ليس إلى شئ من الضلال كائنا ما كان بل فى غاية من الهدى، أو الاستدراك هنا بمعنى مطلق التدارك على معنى بل. كقولك ما أنا مريض لكن صحيح جدا، أو لما نفى الضلالة يبقى أن يقال لعل الرسالة أيضا غير ثابتة فأثبتها بلكن، أو أتى بلكن على طريق تأكيد المدح بما يشبه الذم أى لا ضلالة بي إلا الرسالة إن كانت ضلالة { أبلغكم } مستأنف فى التفات لبيان الرسالة المذكورة فى قوله رسول أو نعت لرسول مراعى فيه المعنى، لأن الرسول هو القائل أبلغكم التفاتا من غيبة الاسم الظاهر، وهو رسول إلى التكلم فالرابط هو المستتر، ولو راعى الظاهر لقال يبلغكم بالياء، ويجوز أن يكون أبلغ حبرا ثانيا للكن فلا التفات كأنه قيل لكنى رسول من رب العالمين ولكنى أبلغكم { رسالات ربى } جمع باعتبار أفراد الوحى كلما جاءه، وباعتبار تعدد أنواعه كأمر ونهى ووعظ وأحكام وإنذار وتبشير على الإيمان إن وقع وقصة ومسائل وصحف إدريس وهى ثلاثون وصحف شيث وهى خمسون، فهو يبلغهم ما أرسل به وما أرسل به غيره { وأنصح لكم } أرغبكم من عندي فى الطاعة وأحذركم عن المعصية بذكر عواقب ذلك وبتمييز الأحسن من الحسن والأصلح من الصالح، وبترغيبكم فى القبول عن الله، فحقيقة النصح تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، ويقال أيضا نصحتك، ولكن فى اللام دلالة على إمحاض النصح، قال الفراء: وهو الغالب { وأعلم من الله } من للابتداء متعلق بأعلم أولى من تعليقه بمحذوف أى أعلم بالوحى من الله { ما لا تعلمون } من الأمور الآتية، ومن شئونه وبطشه الشديد، ولم يعلموا بقوم حل بهم العذاب قبلهم لعدم ذلك أو لم يسمعوا بذلك وقد وقع قبلهم.

[7.63]

{ أو عجبتم } قدمت الهمزة على عاطف قصة أخرى عند سيبويه والجمهور لتمام صدارتها، أو يقدر أجاءكم إرشاد وعجبتم { أن جاءكم } أى من إن جاءكم { ذكر } نبى يجب أن يذكر ولا ينسى وهو ما أوحى الله عز وجل أو وعظ. { من ربكم على رجل } أى على لسان رجل { منكم } من نسبكم أو جنسكم الآدمى أو من جملتكم تعرفون مولده ومنشأه. وكانوا يقولون " لو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا فى آبائنا الأولين " { لينذركم } بخبر بالسوء الذى يترتب على كفر الكافر ومعصيته إن لم يتب { ولتتقوا } بسبب الإنذار بما تعذبون به أو لتعظموا الله فلا تعصوه { ولعلكم ترحمون } علة ثالثة مرتبة على الثانية التى هى الاتقاء. وكانت بصيغة الترجى تنبيها على أن التقوى غير موجبة للرحمة، بل الرحمة مسببة لها فلو شاء الله عز وجل لم يثب المتقى كما لا يعاقبه لأنه عبده لا مالك له مع الله وهو الخالق لتقواه الموفقة إليها، وأما أن يعذب المتقى فلا لأنه ليس حكمة، وقال قومنا بجوازه فقالوا: لو شاء الله لم يثبه ولو شاء عذبه، قلنا ليس من الحكمة أن يشاء تعذيبه، نعم يمكن أن يشاء ذلك باعتبار تقصيره إذ لا يخلو من تقصير، والمقصود من الإرسال الإنذار فقدمه وهو العلة الأولى. والمقصود من الإنذار الاتقاء فعقبه به، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة فعقبها بالرحمة أى لعلكم ترحمون بالاتقاء، أو بالتذكر المرتب على الذكر، وزاد الله تقبيحا لكفرهم بأن كفروا بما ينفعهم لو آمنوا به وبكونه جاءهم من سيدهم المربى لهم المنعم عليهم على لسان رجل منهم هو من نسبهم شرفه شرف لهم ومن جنسهم بحيث يتمكنون من الفهم عنه ومراجعته كى يفهموا، وبأن فى اتباعه نجاة وفوزا.

[7.64]

{ فكذبوه } أولا واستمروا على التكذيب ثانيا، والتكذيب شامل لذلك { فأنجيناه } من الغرق آخر مدد طويلة فى الاستمرار على التكذيب، والفاء لمجرد الترتيب والاتصال بآخر المدد للانجاء وللتسبب والترتيب المذكور باعتبار قوله وأغرقنا بالعطف بالواو على مدخول الفاء والإنجاء من شؤم أعدائه { والذين معه } أربعين رجلا وأربعين امرأة أو ستة رجال وأبناؤه ساما أبا العرب وحاما أبا السودان ويافثا أبا الترك والبربر، أو أبناءه الثلاثة وأزواجهم أو سبعين وأبناءه الثلاثة وزوجه، وستة وأزواجهم فهم ثمانية وسبعون نصف رجال ونصف نساء، أو ثمانون بنوح عليه السلام { فى الفلك } السفينة حال من الذين أو من المستتر فى معه أو متعلق بأنجيناه أو باستقرار معه أو بمعه لنيابته عنه، ويجوز كون فى للسببية إذا علقت بأنجينا، وطولها فى الأرض ألف ذراع ومائتا ذراع، وعرضها ستمائة ذراع أو طولها ستمائة ذراع وستون ذراعا وعرضها ثلاثمائة وثلاثون ذراعا، أو طولها فى السماء ثلاث وثلاثون ذراعا أو طولها فى الأرض ثمانون، أو فى السماء ثلاثون وعرضها خمسون، والذراع من المنكب، وهذا من الإسرائيليات، وفى بعض ذلك بعد، أو طولها ثلاثمائة فى الأرض وثلاثون فى السماء وعرضها خمسون، صنعها فى سنتين { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } بالطوفان { إنهم كانوا قوما عمين } عن فهم الحق، وهو وصف بوزن فرح حذفت لامه كلام قاض للساكن، وقيل عن نزول العذاب.

[7.65-69]

{ وإلى عاد } داخل فى القسم لأنه معطوف على قوله إلى قومه وعطف على نوحا قوله { أخاهم هودا } ولا حاجة إلى دعوى تقدير، وكذا فيما بعد. وعاد هو بن عوص بن أرام بن سام بن نوح، سميت به أولاده ونسلهم، وهود عربى وظاهر سيبويه أنه عجمى كنوح ولوط، بل هما مختلف فيهما أيضا، وهود هو غابر بن شالخ بن أرفخشد ابن سام بن نوح، أو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد ابن عوص بن إرم بن سام وقيل ابن شالخ بن أرفخشد ابن سام عاش أربعمائة سنة وأربعا وستين سنة، وقيل مائة وخمسين وصالح مائتين وثمانين. وقيل نوح ابن عم أبى عاد، وقيل هو ابن عوص ابن إرم بن سام بن نوح، وكان بين هود وبين نوح ثمانمائة سنة، وهو ابن أبى عاد وجعل منهم لأنهم أفهم لقوله وأعرف لحاله وأرغب فى اتباعه. قال الكلبى: هو واحد من تلك القبيلة، وقيل ليس منها ولكنه سمى أخا لهم لأنه من جنسهم الآدمى لامن الجن ولا من الملائكة، وذكر أهل اليمن أن يعرب بن قحطان بن هود هو أول من تكلم بالعربية، وبه سميت العرب عربا، فهو أعجمى صرف صرف نوح ولوط، وفى القرآن ذكر القوم المرسل إليهم باسمهم إن عرفوا باسم كعاد وثمود ومدين، وبلفظ القوم إن لم يعرفوا باسم { قال يا قوم اعبدوا الله } وحده، لم يكن هود فى التذكير لقومه كنوح بل دونه فى المواظبة، وكأنه قيل فما قال لهم فلم يكن العطف، ولما كثر من نوح كان بالعطف بالفاء لأنه لم يتأخر تذكيره عن الإرسال لأنه حضرهم، وهود ذهب إليهم من موضع ولو كان فيهم، بل قيل باشر نوح التذكير قبل الإرسال، واحتج على وجوب عبادة الله وحده بقوله { ما لكم من إله غيره } على حد ما مر { أفلا تتقون } أتغفلون فلا تتقون عذابه، أو أتعرضون فلا تتقون العقاب والإشراك وظلم العباد وعبادة الأصنام ورمل وصمد وصدم وصمود والبهاء أصناما لهم، وفى هود أفلا تعقلون؟ فنقول قالهما معا، فذكر الله عز وجل كلا فى موضع، كما ذكر فيها إن أنتم إلا مفترون، وقال هنا أفلا تتقون، لأنهم تقدمهم عذاب قوم نوح وقد علموا به، وقيل لأنهم أقرب إلى القبول من قوم نوح، وكانوا ينزلون اليمن بالأحقاف، رمال بين عمان وحضرموت، وكانوا قد قهروا أهل الأرض بفضل قوتهم وعظم أجسامهم، وقالوا: من أشد منا قوة، وكأنه قيل: بم أجابوه فقال: { قال الملأ الذين كفروا من قومه } كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعيد بن عفير، ولذلك قيد الملأ بالذين كفروا بخلاف نوح، فالقليل الذين آمنوا به ليسوا من أشراف قومه وإن كانوا منهم فإنهم لم يؤمنوا عند مخاطبته لهم، بل بعد، ومثل مرثد آمن بهود عند مخاطبته، وذلك فى سورة قد أفلح، وصف قوم نوح بما وصف به قوم هود إلا أن الوصف هناك للذم لا للتمييز وهنا للتمييز والفرق، كذا قيل، ولا مانع هنا أنه للذم { إنا لنراك فى سفاهة } خفة عقل وفساد وجهالة إذ فارقت دين قومك { وإنا لنظنك من الكاذبين } عن الله فيما تقول، وما أنت برسول، خوف نوح عليه السلام قومه بالطوفان فقالوا له، إنا لنراك فى ضلال مبين حين تدعى الوحى من الله وحين تصنع سفينة فى أرض لا ماء فيها، وأما هود فنسب عبادة الأصنام إلى السفه فقابلوه بإنا نراك فى سفاهة وهم أقل سوء بالنظر إلى قوم نوح لسماعهم بالطوفان، ولذا قال هنا أفلا تتقون بصورة استبعاد عدم اتقائهم بعد علمهم بما حل بقوم نوح، وفى سورة هود أفلا تعقلون .

إما ذكرا بالمعنى مرجع كل إلى معنى واحد، أو خاطبهم لكل منهما، وذكر فى سورة ما لم يذكر فى الأخرى كما ذكر هنا إن أنتم إلا مفترون، وهكذا ما أشبه ذلك فى القرآن ورد عليهم أبلغ رد بما فى قوله:

{ قال يا قوم ليس بى سفاهة ولكنى رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين } فإن من هو رسول رب العالمين فى غاية الرشد لا يخالطه سفاهة، وفى نفى السفه إثبات الرسالة منه تعالى نفى للكذب عنه فلم يصرح به فى مقابلة قولهم إنا نظنك من الكاذبين، وكان هود دون نوح فى تكرير الدعاء لقومه فناسبه الفعل المضارع الدال على التجدد إذ قال أنصح لكم، وناسب هودا الاسمية وأمين بمعنى مأمون على الرسالة، وقبح عجبهم الداعى إلى كفرهم بقوله:

অজানা পৃষ্ঠা