489

[7.27]

{ يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان } لا يصرفنكم بوسوسته عن العمل الصالح والتقوى، أو عن الجنة، واللفظ نهى للشيطان الذى هو السبب، والمراد النهى عن المسبب وهو اتباعه { كما أخرج أبويكم من الجنة } بفتنته، أى فتنا ثابتا كإخراجه إياهما، أو فتنا مثل إخراجه، وقوله { ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما } حال من أبويكم، أو من ضمير أخرج، والنازع الله عز وجل فأسند النزع للشيطان والعياذ بالله لأنه سبب، واللام للتعليل على أنه - لعنه الله - عارف بفهمه أو من الملائكة أن الأكل من الشجرة سبب للنزع، وإلا فللعاقبة والمضارع فى الموضعين لتكون الحال كما لمشاهدة وإلا فالنزع والإرادة ماضيان، وأكد التحذر وعلله بقوله { إنه يراكم هو } أكد بهو الضمير المستتر لزيادة التنبيه على أن الرائي لكم هو ذلك العظيم المكر والسوء ليأخذوا حذرهم جدا، وكم كاف فى العطف على المستتر إذا عطف عليه بقوله { وقبيله } جماعته المختلفة كالروم ومن الجن والزنج منهم والعرب منهم أو أصحابه وجنده { من حيث لا ترونهم } من للابتداء، وكل موضع رأونا منه فالرؤية مبتدئة منه منتهية إلينا، لا ترونهم كلما شئتم بل قد ترونهم قليلا موافقة ولو على تحقق بلا تخييل كما يراهم سليمان عليه السلام وهو من البشر، و

" كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قبض شيطانا وقال: كنت أردت أن أربطه فى سارية لتروه فتذكرت قوله تعالى " رب هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى " فأطلقته "

وألفت فى ذلك رسالة ثم رأيت الكرخى صرح بأنه تكون رؤيتهم على أصل خلقتهم لبعض الناس، وليس عدم رؤيتنا إياهم للطافة أجسامهم وعدم ألوانهم بل لأن الله عز وجل حجبهم عنا ولم يخلق فينا قوة إبصارهم، وخلق فيهم قوة إبصارهم إيانا وقوة إبصار بعض بعضا، وإلا فإنهم أجسام ولهم ألوان، ولو لطفوا أو خصوا بأنهم يخرجون من تحت الثرى ويروننا ولا نراهم ويعود شيخهم شابا، قال ذو النون: يراك الشيطان من حيث لا تراه ولكن الله يراه من حيث لا يرى فاستعن بالله عليه فإن كيد الشيطان ضعيف، ولم نكلف محاربة أعيانهم حتى يكون عدم رؤيتنا إياهم مانعا من محاربتهم، بل كلفنا الله دفع وسوستهم بالاستعاذة بالله وذكره. وقال مالك بن دينار: إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المئونة إلا من عصمة الله عز وجل { إنا جعلنا الشياطين أولياء } أعوانا { للذين لا يؤمنون } يغلبونهم فى الفساد فهم أصدقاؤهم لمناسبة بينهم أو مكانتهم من إغواء الذين لا يؤمنون، فهم بتولون أمرهم بالإغواء.

[7.28]

{ وإذا فعلوا فاحشة } فى الشرع ولو كانت طاعة عندهم كعبادة الأصنام والطواف فى عرى وغير ذلك مما يستقبح إذا قدموا حجاجا أو معتمرين طاف الرجال نهارا عراة والنساء ليلا عاريات، وكانوا يطلبون إزارا عارية وإن لم يجدوه طافوا فى عرى، وعلى كل حال يلقون ثيابهم ويحرمونها لأنهم عصوا الله فيها، والفاحشة اسم لما اشتد قبحه، وأصله وصف أى فعلة فاحشة ثم تغلبت عليه الاسمية { قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها } فاقتدينا بهم. وامتثلنا أمر الله وأمرنا بأمر آبائنا، وجملة إذا فعلوا إلى قوله بها عطف على لا يؤمنون، أى جعلنا الشياطين أولياء لمن اتصفوا بانتفاء الإيمان وتقليد الآباء فى الفاحشة، ودعوى أن الله أمرهم بها فذلك احتجاج بأمرين: الأول وجود آبائهم والثانى دعوى أن الله أمرهم بها { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } رد لقولهم الله أمرنا بها؛ لأنه ربما أبه على جاهل أمر يتوهم أنه من الله وتسميته فاحشة حدث من الله ولم يذكر الرد على قولهم وجدنا عليها آباءنا لظهر أن التقليد غير حجة ولو كان حجة لصحت الأديان التقليدية المتناقضة كلها، والموجود أن كلا يضلل الآخر وصدق المتناقضين محال، وهذا مدلول قوله " إن الله لا يأمر بالفحشاء " ضمن لأنه سبحانه إذا أمر بمحاسن الأعمال فكيف يترك أمره هذا بمجرد اتباع الآباء فيما هو قبيح عقلا، والمراد بالقبح العقلى هنا نفرة الطبع السليم واستنقاص الفعل المستقيم لاكون الشئ متعلق الذم قبل ورود النهى عنه وبلا ورود وهو المتنازع فيه عندنا معشر الإباضية، وقومنا وعند المعتزلة دون الأول فلا دليل للمعتزلة فى الآية على ما زعموا من التقبيح والتحسين العقليين. ويجوز أن يراد لم فعلتم فقالوا وجدنا آباءنا، فقيل: من أين أخذ آباؤكم؟ فقالوا: الله أمرنا بها لتوسط أمره آباءنا والله يأمر بمحاسن الأفعال دائما إجماعا ومن يأمر بها على الدوام لا يأمر بالفحشاء فالله لا يأمر بها { أتقولون على الله ما لا تعلمون } من جملة ما حكى بقل، والاستفهام توبيخ وإنكار للياقة أن يقولوا على الله ما لم يعلموا بحقيقته لعدم سمعه من ملك أو نبى وهو الفواحش، والخطاب لقريش وهم ينكرون نبوءة الأنبياء، ولو كانوا ربما سألوا أهل التوراة، والقبح إما بحكم الله وعليه العقاب، وهو يثبت بالشرع لا بالعقل خلافا للمعتزلة، وإما بكراهة الطبع المستقيم لا خلاف فيه أنه بالعقل ولا دلالة فيه للمعتزلة على أن مرجع التقبيح للعقل ورد الشرع به أو لم يرد، ولا دليل فى قوله أتقولون إلخ على نفى القياس لأنه ولو كان مظنونا لا معلوما لكن لما انعقد الإجماع على ما يثبت به كان معلوما من هذه الحيثية، أو المراد بالعلم فى الآية ما يعم الظن المطابق، أو هذا عام خص منه البعض وهو ما يثبت بالقياس فإنه بمنزلة الاستثناء من هذا الحكم، والمخصص هو الإجماع والأول أولى وإنما يمنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه.

[7.29]

{ قل أمر ربى بالقسط } بالعدل، وكل ما أمر الله عز وجل به عدل ولو صعب أو لم تستحسنه النفس، ولا تفريط ولا إفراط فيه { وأقيموا } عطف على أمر ربى وليس فيه عطف الأمر على الإخبار لأن المعنى، قل لهم لفظ أمر ربى بالقسط، ولفظ أقيموا، والجمل بعد القول أسماء مراد بها ألفاظها، ولا حاجة إلى دعوى عطفه على معنى القسط مع تضمينه معنى أمر ربى قال اقسطوا وأقيموا، ولا إلى دعوى أن التقدير اقبلوا ولا إلى دعوى تقدير القول ولا إلى دعوى العطف على فعل ينحل إليه المصدر الذي هو القسط أى أمر ربى بأن أقسطو أو أقيموا { وجوهكم عند كل مسجد } ومعنى إقامة الوجوه عند كل مسجد إقامتها نحو القبلة عند كل سجود أى صلاة فهو مصدر، أو عند كل وقت صلاة فهو اسم زمان، أو فى كل موضع سجود يمكن ولا تؤخروها إلى أن تخرجوا إلى مساجدكم كما أن من قبلكم أمروا بتأخيرها إلى أن يرجعوا إلى مساجدهم، فهو اسم مكان، والمسجد على هذا بمعنى المصطلح عليه من البناء، وفى هذا بعد كما فى قول من قال اقصدوا المسجد فى وقت كل صلاة على أنه أمر بالجماعة ندبا عند بعض ووجوبا عند آخرين. أو توجهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين إلى غيرها، وذلك بالصلاة كما تقول: أطع الله فى الصلاة، وأنت تريد أطع الله فيها بإقامتها لا بعبادة أخرى توقعها فيها { وادعوه } اعبدوه واسألوه حوائجكم { مخلصين له الدين } أى العبادة أو الإيمان بالله. أخلصوا ذلك عن الشرك، وإن فسرنا إقامة الوجوه عند كل مسجد بإخلاص الصلاة كان هذا عطف عام على خاص إن فسرنا الدين بالعبادة وعطف مغاير إن فسر بالإيمان بالله { كما بدأكم تعودون } تعودون عودا ثابتا كبدء إياكم أو عودا مثل بدء إياكم فى أن كلا منهما إيجاد بعد عدم. ولو كان الأول من نطفة وأطوار مترتبة والثانى غير ذلك والجملة مستأنفة لإبطال إنكارهم البعث، بأن القادر على البدء قادر على الإعادة وليست أشد على الله ولا شدة على الله، وتعليل لقوله وأقيموا إلخ، أى امتثلوا ما أمرتكم به من القسط وإقامة الوجه والدعاء والصلاة فإنكم بعد موتكم ستبعثون للجزاء بأعمالكم، وكما بدأكم من التراب تعودون إليه، وكما بدأكم حفاة عراة غرلا تعودون، وكما بدأكم مؤمنا وكافرا تعودون إليه فى الآخرة مؤمنا وكافرا على أصل السعادة والشقاوة، هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن، روى الترمذى يخط عتيق محشى عليه مقروء على شيخ اشتريته من مكة

" عن عمر بن العاص: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله، فقال للذى في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال للذى فى شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على أخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أى عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أى عمل ثم قال بيديه فنبذهما، ثم قال: فرغ ربكم من العباد فريق فى الجنة وفريق فى السعير "

ومعنى قال للذى فى يمينه إلخ فى شأن الذى، ومعنى قال بيديه أشار بهما، ومعنى قولهم أجمل إنه أجمل الحساب فى آخر الورقة كالفذلكة، و ذلك كله تحقيق، وقيل تمثيل.

অজানা পৃষ্ঠা