তাইসির তাফসির
تيسير التفسير
{ فإن كذبوك } فيما جئت به من ذمهم وتقبيحهم لمعاصيهم ومن سائر الوحى إليك. والضمير للمشركين فيما يقولون ويفعلون كالبحيرة ولليهود كذلك، وفى قولهم إن التحريم علينا متقدم قبلنا على من قبلنا ونحو ذلك، وقيل لليهود لقرب ذكرهم ولأن المشركين ذكروا بعد، وقيل للمشركين { فقل ربكم ذو رحمة واسعة } أمهلكم إمهالا، ولولا رحمته لعاجلكم بعقاب يستأصلكم، فإنكم أهل للعذاب وتعجيله، فلا تغتروا بعدم تعجيله وبقولكم أنكم أحباء الله وإنكم مهملون، ومعفو عنكم، وزجرهم عن هذا الاغترار وتوهم الرضى عنهم بقوله { ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } إذا جاء أى لا يرد عذابه عنكم، ووضع القوم المجرمين موضع الكاف ليصفهم بالإجرام الموجب فيعلموا أنهم استحقوا البأس عند الله لإجرامهم. وإنما أخره رحمة بكم للاستجلاب إلى الإيمان، والمراد ذو رحمة واسعة للمؤمنين ولمن تاب، ولا يرد بأسه عنكم أو عن كل مجرم فيدخلون فى المجرمين أولا وبالذات، أو ذو رحمة لى لتصديقى ومنتقم منكم لتكذيبكم فإنه لا يرد بأسه إلخ، ونفى رد البأس كناية عن مجيئه، ومع قولنا إذا جاء كان صريحا والجملة معطوفة على ذو رحمة أو على ربكم ذو رحمة، وهى مما تسلط عليه قل، ولما أيقن المشركون ببطلان حجتهم فى تحريم ما حرموا التجأوا إلى التكذب على الله بأنه أجبرهم على الإشراك وتحريم ما حرموا فقالوا
لو شاء الله ما عبدنا
[النحل: 35] إلخ كما فى سورة النحل فقال عنهم قبل قولهم ذلك.
[6.148]
{ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ } فنزلت بعد هذا آية النحل. أو أرادوا أنهم أشركوا وحرموا استقلالا منهم بلا خذلان من الله لكن علم ذلك منهم ولم ينههم عنه إجبارا فذلك رضى من الله عليهم فى ذلك زاعمين أن ذلك شرع من الله لهم، وكلا الوجهين كفر. وعطف آباؤنا على الضمير المتصل المرفوع المحل للفصل بلا لأن الفصل يسيغ ذلك قبل العاطف أو بعده نحو جئت وراكبا زيد بعاطف زيد على التاء للفصل بحال من زيد. وزاد فى النحل من دونه مرتين ونحن لا هنا لأن الإشراك مغن ذكر من دونه لأنه متضمن للتحريم من دون الله، وأسقط نحن تبعا للتخفيف بخلاف آية النحل فإنها فى العبادة والعبادة لا تستنكر وإنما المستنكر كونها لشئ مع الله ولا تدل على تحريم شئ كما يدل عليه أشرك فناسب ذكر من دونه وناسب استيفاء الكلام فيه ذكر نحن وليست الآية اعتذارا منهم إلى الله عز وجل فى أنهم فعلوا قبيحا فانهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يتقربون بعبادة الأصنام إلى الله عز وجل، بل ادعوا أن الله عز وجل لو شاء عدم إشراكنا وعدم تحريمنا لم نشرك ولم نحرم ولما أشركنا وحرمنا علمنا أن الله رضى بذلك. وهؤلاء المشركون كالمعتزلة فى اعتقاد أن الله لا يريد الكفر، ولما وقع منهم علموا أن الله شاءه ولما شاءه علموا أنه جائز لأنه لا يرد المحرم، وفى ذلك أيضا لأن ما شاء الله يقع ولا يتخلف والنبوءة لا ترده فلا حاجة إليها. ويدل لذلك قوله { كذلك كذب الذين من قبلهم } كذب الأمم السابقة أنبياءهم فى تحريم الإشراك وتحريم القول بما لم يقله الله كما كذبك قومك فى ذلك ولما أرادوا الاعتذار عن ذلك معترفين بقبحه لم يصح الوصف بالتكذيب وإنما صح التكذيب لدعواهم أن ذلك مشروع من الله حاشاه، وذلك تهديد لهم أفصح به قوله تعالى { حتى ذاقوا بأسنا } وإنما صحت كلمة حتى لأن المعنى داموا على التكذيب حتى ذاقوا، وهذا اعتبار لما فى حتى الابتدائية من ظرف الغاية، فلو جعلناها لمجرد التفريع كالفاء بقى كذب على ظاهره أى كذبوا فذاقوا { قل } يا محمد لهم { هل عندكم من علم } أمر معلوم، يكون حجة فى إباحة الإشراك والتحريم { فتخرجوه } تظهروه { لنا } كما أظهرنا لكم الأمر المعلوم الذى هو حجة من الله عز وجل { إن تتبعون } ما تتبعون فى إشراككم { إلا الظن } إلا ترجيحا لأمر عندكم ظاهر مع أنه ليس ظاهرا، بل هو باطل، ولا يقين لهم فى جواز الإشراك والتحريم، وذلك أن الظن تجويز أمرين؛ أحدهما ظاهر عند المجوز، والآخر غير ظاهر، والأولى أن الظن ترجيح أحد جائزين، والآية تحريم للظن فيما فيه قاطع، وذلك فى جميع ما يؤخذ ديانة مما يقطع فيه العذر، ولا يسوغ فيه الخلاف، وإذا لم يعارض قاطع ظنى أو عقلى جاز الظن للمجتهد، أعنى أنه يجتهد فى بعض أحكام الفروع.
{ إن أنتم إلا تخرصون } تكذبون فى ذلك، يعنى أن ذلك ظن عندهم، كذب فى نفس الأمر، ففى الاية أن الكذب لا يشترط فيه العمد، بل هو الإخبار بخلاف الواقع اعتقد أنه خلافه أم لم يعتقد، ويحتمل هنا اعتبار تساهلهم فى الظن، ففيه طرف من تعمد الإخبار بخلاف الواقع، أو الخرص التقدير بمجرد الهوى.
[6.149]
{ قل فلله الحجة البالغة } جواب شرط محذوف، أى إن لم تكن لكم حجة، فلله الحجة البالغة، أى فقد افتضحتم لأن لله الحجة البالغة، أو إن كان الأمر كما زعمتم من أن ما أنتم عليه مرضى عند الله، فلله الحجة البالغة، وأولى من ذلك أن يجعل عطفا على إن أنتم إلا تخرصون، كعطف التلقين، وقل اعتراض وعطف كذلك على هل عندكم من علم، لأن معناه لا علم لكم فلله العلم البالغ، أو على محذوف، أى أنتم لا حجة لكم فيما ادعيتم فلله الحجة عليكم البالغة، والحجة البالغة تبيينه أنه الواحد وإرسال الأنبياء بالحجج التى يعجز الخلق عنها وبالكتب، وبمعنى بلاغها كمالها وخلوصها عن نقص، أو بلوغها غاية النهاية والوضوح، وهى حجة فوق حجة القادر الحكيم، أو قوتها على إثبات الحق من التوحيد وغيره، أو يبلغ صاحبها دعواه، والبلوغ لصاحبها لا لها كقوله تعالى
فى عيشة راضية
[الحاقة: 21]، والحجة من الحج بمعنى القصد، كأنه يقصد إثبات دعوى صاحبها، أو بمعنى القطع { فلو شاء } هدايتكم إلى الحق أو إلى الحجة البالغة بطريق القهر { لهداكم } إلى ذلك قهرا. { أجمعين } لأنه قادر على كل شئ، لكنه وفق بعضا وخذل بعضا والحكمة المطلوبة بالتكليف الإيمان اختيارا، ولا يكون فى ملك الله مالا يريد فقد أراد الله ضلال هؤلاء وإلا كان مغلوبا وملكه ناقصا سبحانه عن ذلك.
অজানা পৃষ্ঠা