456

وفى فقه الحنفية أنه قول أبى حنيفة. ونسب لمالك، ونسب إليه قول أنه لا تحرم ولو عمدا. ونسب إليه الفخر أنها تحرم ولو نسيانا. ونقل ابن الجوزى عن أحمد أنها لا تحرم ولو عمدا، وأعادوا الهاء إلى ما والفسق على ظاهره فى الكل، ولو عاد الهاء إلى ما على تقدير مضاف، أى أن أكله فسق وإن يقدر فمعناه مفسوق به. ونسب للشافعى أنه لا يحرم متروك التسمية عمدا. وشنع عليه قوم حتى قيل خرق للإجماع قبله، وحرمه ابن عمر ولو ناسيا، وقال أبو يوسف: إن قضى قاض بحل المتروك التسمية عمدا لم ينفذ قضاؤه ولا إفتاؤه إن أفتى لخرق الإجماع، والاية فى تحريم ما ذبح على الأصنام والسياق يدل له، وعن ابن عباس فى تحريم الميتات والمنخنقة وما معها، وما لم تفسر به الآية ففى آية أخرى، والواو حالية فى وإنه، أو عطف إخبار اسمى على طلب فعلى، والقسم محذوف، أى والله إن أطعتموهم فى استحلال أكل الميتة واستحلال ترك التسمية، وإنكم لمشركون جواب القسم، ولو كان جواب إن لقرن بالفاء، وقيل هو جوابها لم يقرن لأن الشرط ماض، وليس بشئ، ونسب للمبرد ولو بلا كون شرط ماضيا، وتمسكت الصفرية بالآية على أن فاعل الكبيرة مشرك، يقولون: وإن أطعتموهم فى أكلها، وليس كذلك فإن المعنى إن أطعتموهم فى استحلالها، وله فى هذا رسالة ظاهرت بها أهل عمان على الصفرية، وقيل: المراد بالشياطين مردة المجوس وبأوليائهم مشركو قريش، سمعوا نزول تحريم الميتة فكاتبوا قريشا بأن ما قتله الله أحق بالحل فجادل قريش الصحابة فكان فى أنفسهم شئ فنزلت الآية { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم }.

[6.122]

{ أو من كان ميتا } الجمهور على أن الهمزة مما بعد العاطف لكمال تصدرها، وقيل: داخلة على محذوف، أى أيستوى المشرك والمؤمن، أو أأنتم مثلهم فى استحلال الميتة ومن كان كميت فى عدم تحرزه عن المضار وعدم جلب المنافع وذلك هو من كفر { فأحييناه } صيرناه كمن حيى من موت بالإيمان { وجعلنا له نورا } شيئا ينتفع به كما ينتفع بنور الشمس والقمر والنجوم والمصباح وهو آيات القرآن وسائر الوحى، أو هدى فى القلب بالآيات وسائر الوحى { يمشى به فى الناس } يتبصر به فيما بينهم ولا يزل بزللهم آمنا من ضلالهم لأنه يميز الحق من الباطل { كمن مثله } صفته، أو مثل مقحم أى كمن هو { فى الظلمات } فى المعاصى والجهالات الشبيهة فى الخسة والمضار بظلمات الليل وغيره التى لا يبتدر فيها إلى نفع ولا إلى دفع ضرر كقوله { ليس بخارج منها } حال من المستتر فى قوله { فى الظلمات } وهؤلاء الجمل المركبات تمثيلية لا استعارة مركبة تمثيلية لذكر أداة التشبيه ولذكر المشبه والمشبه به ولو بلفظ غير صريح فيهما. فلا يصح ما قيل أنها استعارة تمثيلية وأنها لعدم ذكر المشبه صريحا وأن ذلك كقولك أيكون الأسد كالثعلب فى الاستعارة المفردة فإن الاية كقولك أفمن كفر وأسلم كمن بقى فى كفر وهى على عمومها نزلت فى كل من زيد علما ولم يكفر، وقى كل من تاب وكل من أصر. فدخل فى ذلك ما روى أن أبا جهل قال: زاحمنا بنو عبد مناف فى الشرف حتى إذا صرنا نحن وهم كفرسى رهان قالوا منا نبى يوحى إليه. والله لا نؤمن إلا أن يأتينا وحى كما يأتيه. ولكن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكفر قط إلا أنه كان خاليا عن الوحى ثم أحياه الله به، كقوله تعالى

ووجدك ضالا فهدى

[الضحى: 7] وما روى أنها نزلت فى عمار ابن ياسر وأبى جهل، وما روى أنها نزلت فى عمر وأبى جهل كانا يسبانه صلى الله عليه وسلم فأسلم عمر وأصر أبو جهل، وما روى أن حمزة رجع من صيد، وكان قناصا، ودخل المسجد علىعادته إذا رجع وبيده قوس فأخبرته مولاة له أن أبا الحكم كان يسب ابن أخيك ورمى عليه فرثا وهو ساجد. فجعل يضربه بالقوس وهو يتضرع إلى حمزة، ويقول: يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به؟ سفهنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم عقولا تعبدون الحجارة من دون الله، فأنا على دينه فاردد على إن قدرت. وأسلم وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم { كذلك } كما زين للمؤمن الإيمان فاختاره على الضلال وقد قضاه الله فآمن، أو كما انتفت الحجج عن هؤلاء { زين للكافرين ما كانوا يعملون } من الشرك والمعاصى قضاه الله عليهم فاختاروه وكفروا، والمزين هو الله عز وجل كما قال زينا لهم أعمالهم، وذلك بخلق الدواعى. ومنعت المعتزلة ذلك. وتزيين الشيطان أمره بالفعل وتصويره فى صورة الحسن.

[6.123]

{ وكذلك } كما جعلنا فى مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها، أو كما جعلنا فساق أهل مكة أكابرها أو كما جعلنا أعمال أهل مكة مزينة لهم، وما قبل هذا أولى لتقدم هذا ولمعلوميته ولتبادر ما قبله من اسم الإشارة أنه جعل فى مكة رؤساءها ماكرين، مع أن المراد من الكافرين الذين زين لهم أعمالهم أكابرهم، وعلى كل حال سنة الله جعل الأكابر كفرة أقوياء على ترويج الباطل، وأتباع الرسل ضعفاء { جعلنا فى كل قرية أكابر مجرميها } فى كل قرية متعلق بجعلنا واجب التقديم ليعود عليه ضمير مجرميها، وأكابر مفعول ثان مؤخر وجمع مع أن مفرده اسم تفضيل منكر لخروجه عن التفضيل ومجرميها مفعول أول، وكذلك وجب تقديم فى كل قرية ليعود عليها الضمير إذا جعلناه مفعولا ثانيا وأكابر مفعول أول مضاف لمجرميها، وساغ الجمع ولو بقى على التفضيل لأنه أضيف لمعرفة، ويجوز أن يكون أكابر مفعولا أولا ومجرميها بدلا فجمع أكابر لخروجه عن التفضيل ولم يظهر هذا البعض فقال إنه جمع لأنه خرج عن شأن الوصف وجعل اسما للرؤساء، وأما الأحامرة فى قوله:

إن الأحامرة الثلاثة أتلفت

مالى وكنت بهن قدما مولعا

فهو صفة مشبهة جمع لا اسم تفضيل، وتحقيقا أنه لم يجز أحد من النحاة جمع اسم التفضيل على أفعالة، ولا يخفى أن الإخبار بالتعليل ضعيف فكيف يحسن جعل ليمكروا مفعولا ثانيا ولا يجوز أن يكون الثانى محذوفا أى فساقا، إذ لا دليل عليه، وكذلك أن يكون فاسقا مفعولا أولا، وإن قلنا جعلنا بمعنى مكنا فله مفعول به هو أكابر، ومجرمى بدل، أو مجرمى مفعول به وأكابر حال منه، وعلى كل حال قيض فى كل قرية المجرمين الأكابر لأنهم أقدر على الصد عن دينه، وأكثر أتباعا، وذلك تعليل كما هو ظاهر قوله { ليمكروا فيها } ولله أن يفعل ما شاء، وذلك فى المعنى كثير لأن حاصله التزيين والخذلان وخلق الأفعال، أو اللام للصيرورة { وما يمكرون إلا بأنفسهم } لأن عاقبة مكرهم عائدة عليهم بالهلاك فى الدنيا والأخرى { وما يشعرون } بأنه عليهم، ومكرهم هو صدهم الناس عن الدين بمنع منافعهم إن أسلموا والإضرار بمن أسلم وقولهم شاعر أو ساحر أو مجنون، أو أساطير الأولين أو يعلمه بشر، أو كاذب أو كاهن، والغيبة والنميمة والأيمان الكاذبة وتزيين الباطل، من ذلك أنهم أجلسوا على كل طرق مكة أربعة يصرفون الناس عن الإيمان، ويقولون كاذب ساحر كاهن ونحو ذلك كما قال مجاهد، وأنهم يتصنعون فى لباسهم وأولادهم وعبيدهم ليرى الناس أنهم أحسن فيتبعوهم، وكلما جاءتهم معجزة قابلوها بنوع من الإنكار ولو بعناد محض. قال الله عز وجل.

অজানা পৃষ্ঠা