439

قد جاءكم رسولنا يبين لكن كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب

[المائدة: 15]، أو من إخفاء ما أرادوا أو إنكاره أو محوه أو تبديله، وقيل ذلك الكثير لم يكتبوه فى القراطيس إخفاء له والناس بنو إسرائيل وغيرهم { قل الله } أنزله الله، أو الله أنزله، أو منزله الله، والأول أولى لورود الجواب بالفعلية فى قوله

خلقهن العزيز العليم

[الزخرف: 9] ووجه الأوجه الأوجه بعده أن السؤال بالاسمية فليكن الجواب بها، أما كان لا بد أن يقروا بأن الله أنزله أمره أن يقوله، أو كأنهم دهشوا لافتضاحهم حتى لا يقدروا على رد الجواب فأمره صلى الله عليه وسلم برد الجواب تنبيها على حيرتهم، أو أمره لأنهم لا يقولون عنادا { ثم ذرهم فى خوضهم } باطلهم متعلق بذر، أو بقوله { يلعبون } أو بمحذوف حال من الهاء أو من واو يلعبون، ويلعبون حال من هاء ذرهم، أو من هاء خوضهم ولو كان مضافا إليه لأن المضاف صالح لعمل الرفع والنصب لأنه مصدر، وإنما فى خوضهم حالا من الهاء جاز أن يكون يلعبون حالا من المستتر، والأمر بالجواب والإعراض عنهم بعد الجواب يصح قبل نزول القتال وبعده فلا نسخ فلا تهم، ويلعبون يستهزئون.

[6.92]

{ وهذا } أى القرآن { كتاب } عظيم { أنزلناه } خبر ثان أو نعت كتاب { مبارك } خبر ثالث أو نعت ثان { مصدق الذى بين يديه } خبر رابع أو نعت ثالث، والمعنى على الأخبار أن القرآن كتاب عظيم كما دل عليه التنكير، وأنه أنزلناه نحن فما فيه حق لا كذب ولا كلام لغير الله ولا تعليم بشر، وما فيه من فصاحة وبلاغة من الله لا من الرسول فما يجاريه كلام، وأنه كثير الخير الدنيوى والأخروى والدينى، وفيه عز الدنيا والآخرة، إذ هو مفيد بألفاظه يشتفى بها دعاء ورقيا، مشتمل على الأصول والفروع وأعمال الجوارح والقلوب، وأنه مصدق بجنس الكتاب الذى بين يديه - أى قبله - كالتوراة والإنجيل والزبور والصحف، والمراد بالذى التوراة لأنه أعظم كتاب أنزل قبله، ولأن الخطاب لليهود، ومعظم كتبهم التوراة، وبين يديه استعارة للقبلية أو مجاز مرسل، ومحط التصديق فيما لم ينسخ ولم يختلف فيه فى الكتب فظاهر كالتوحيد وصفاته صلى الله عليه وسلم والتبشير به وكمكارم الأخلاق وتحريم مساوئها، وفيما نسخ واختلف فى الكتب أن الكل حكمة وعدل، وصرح القرآن بأن ذلك حق وأن ما نسخ منها بالقرآن قد ذكر الله فيها أنه سينسخ بالقرآن تلويحا أو تصريحا، ولو لم يكن فيها من ذكر النسخ إلا ذكر أنه يجب اتباعه، فإذا جاء بما خالفها فذلك نسخ مذكور فيها، وأما المعنى على النعت فهو أن القرآن كتاب عظيم متصف بإنزالنا والبركة وتصديق الكتب السابقة، وعلى كل حال قدم الإنزال هنا لأن المقام للرد على نفى الإنزال ومجئ الكلام عقب نفيه وقال ما أنزل الله على بشر من شئ، وقدم البركة فى قوله: وهذا ذكر مبارك أنزلناه، بصيغة الفعل لتجدده بخلاف البركة والتصديق فإنهما على الثبوت { ولتنذر أم القرى ومن حولها } عطف على محذوف أى لتبشر من آمن به ولتنذر أم القرى، أو عطف على المعنى مما يقال له فى غير القرآن عطف لتوهم، كأنه قيل: أنزلناه لتصدق الذى بين يديه، وهذا لاتصاله أولى من تقدير أنزلناه للبركة ولتنذر أم القرى، وأولى من هذا اعتبارهما معا أى للبركة والتصديق ولتنذر أم القرى، ويجوز تعليقه بمؤخر، أى ولتنذر أم القرى أنزلناه، أو مقدم، أى وأنزلناه لتنذر أم القرى، ويجوز تعليقه بمعطوف، أى مصدق لما بين يديه وكائن لتنذر، وأم القرى مكة، أى لتنذر أهل أم القرى، أو أم القرى أهلها تسمية للحال باسم المحل، ومن حولها أهل الدنيا كلهم، وما أرسلناك إلا كافة للناس، وسميت أم القرى لأنها قبلة أهل القرى، فهى كالأصل لسائر القرى، ومن معانى الأم الأصل، ولأنها محجهم ومعتمرهم، والحج من أصول العبادة فهى كالأم للقرى إذ كانوا يجتمعون إليها كما تجتمع الأولاد إلى الأم، ولأنها أعظم القرى شأنا كعظم الأم بالنسبة إلى الأولاد ولأنها بسطت الأرض من تحتها فهى للأرض كالأم للأولاد ولأن فيها البيت الذى هو أصل سائر البيوت وأسبق، الذى هو كالأم للأولاد فى السبق، فمكة كالأم لسائر الأرض، ولا دليل لطائفة من اليهود ادعوا بعثه صلى الله عليه وسلم إلى العرب خاصة، وهم من حول مكة! لأن المراد بمن حولها كل الناس كما رأيت، ولو فسر بالعرب فما ذلك إلا لكونهم أحق بالإنذار للنسب والجوار، كما أرسل موسى إلى غير بنى إسرائيل أيضا، وجل خطابه لهم.

{ والذين يؤمنون بالآخرة } بالدار الآخرة الحاصلة بالبعث للثواب والعقاب إيمانا تاما بتفكر يثمر الإعراض عن الحظوظ الدنيوية، والعلم بأن دين محمد هو دين الله كما قال الله عز وجل { يؤمنون به } بالكتاب الذى هو القرآن، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعليه فمقتضى الظاهر يؤمنون بك للخطاب فى قوله لتنذر، وهذا لو كان فيه مراعاة أقرب مذكور لكن الأصل عدم الالتفات، ومن الجائز عوده إليهما معا بتأويل ما ذكر، والجملة خبر الذين، ويضعف عطف الذين على أم القرى ، وجعل يؤمنون حالا من الذين لأن المؤمنين بالقرآن والنبى صلى الله عليه وسلم المحافظين على صلاتهم أنسب بالتبشير، والمقام به أنسب لأنه مقام استدعاء للإيمان، ولا وجه لإنذارهم سوى الحث على الدوام على ما هم عليه والزجر عن الإعجاب والأمن { وهم على صلاتهم } قدم بطريق الاهتمام، وللفاصلة { يحافظون } خوفا من عقاب الآخرة، وخص المحافظة عليها بعد الإيمان لأنها أشرف الأعمال بعد التوحيد، ولأنها تدعو إلى سائر العبادات، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، فهى عماد الدين وعلم الإيمان، والآية لم يحملهم على التصديق بالقرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمحافظة على الصلوات الخمس، بل لا يصلونها ألبتة، وتعريض بالمنافقين المضمرين للشرك لأنهم لا يحافظون عليها.

[6.93]

{ ومن أظلم } استفهام إنكار أى لا أظلم لنفسه وللخلق ولدين الله { ممن افترى على الله كذبا } مفعول به لافترى، أى اختلق كذبا وأنشأه، ويضعف كونه مفعولا مطلقا، وكونه حالا مؤكدة، أى ذا كذب أو كاذبا لأن الافتراء أخص من الكذب، فليس كقولك قمت وقوفا، أو قمت واقفا، ولا يتبادر المعنى هنا بالنصب على التعليل. وافتراء الكذب أن يقول: أنا نبى، أو أنا رسول من الله، أو ذلك ودعوى الولد والشريك، أو ما أنزل الله على بشر من شئ، { أو قال أوحى } أى أوحى الوحى، أى ما من شأنه أن يوحى، أو النائب هو قوله { إلى } وهو أولى لأن الأول يشير إليه لفظ أوحى مع أنه معمول لأوحى، ولا يتكرر قوله أوحى إلى مع قوله افترى على الله كذبا لاختلاف التلفظ، إذ افتراء التلفظ أن يقول: أنا نبى أو رسول وهو غير لفظ أوحى إلى، وأولى من ذلك أن يقال: افترى على الله كذبا بمعنى أرسل لله فلانا أو نباه وليس كذلك وغير ذلك، وذلك كمسيلمة وسجاح امرأته والأسود العنسى، فهم قالوا: أنا نبى، وأقوامهم قالوا كذبا عليهم أن هؤلاء أنبياء، وذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلوا فى خلافة الصديق، أو قال أباح الله عبادة غيره، أو حرم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى ونحو ذلك من الافتراء فى دين الله عز وجل، ولا يقال: العطف تفسير أو تفصيل لأن ذلك لا يكون بأو { ولم يوح إليه } الهاء للمفترى، وقيل للنبى، والكلام من للمفترى والواو للعطف أو للحال { شئ } الجملة حال من ضمير قال { ومن قال سأنزل } من نفسى، وقيل معناه أنا قادر على الإنزال { مثل ما أنزل الله } عطف على من كعبد الله بن سعد بن أبى سرح، إذ قال فتبارك الله أحسن الخالقين بعد كتابته ما قبلها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" اكتبها فإنها نزلت كذلك "

অজানা পৃষ্ঠা