তাফসির মিযান
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
قوله تعالى: وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل، أي والذي فعله المشركون من إخراج رسول الله والمؤمنين من المهاجرين، وهم أهل المسجد الحرام، منه أكبر من القتال، وما فتنوا به المؤمنين من الزجر والدعوة إلى الكفر أكبر من القتل، فلا يحق للمشركين أن يطعنوا المؤمنين وقد فعلوا ما هو أكبر مما طعنوا به، ولم يكن المؤمنون فيما أصابوه منهم إلا راجين رحمة الله والله غفور رحيم.
قوله تعالى: ولا يزالون يقاتلونكم إلى آخر الآية حتى للتعليل أي ليردوكم.
قوله تعالى: ومن يرتدد منكم عن دينه "إلخ"، تهديد للمرتد بحبط العمل وخلود النار.
كلام في الحبط
والحبط هو بطلان العمل وسقوط تأثيره، ولم ينسب في القرآن إلا إلى العمل كقوله تعالى: "لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين:" الزمر - 65، وقوله تعالى: "إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم، يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم:" محمد - 33، وذيل الآية يدل بالمقابلة على أن الحبط بمعنى بطلان العمل كما هو ظاهر قوله تعالى: "وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون:" هود - 16، ويقرب منه قوله تعالى: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا:" الفرقان - 23.
وبالجملة الحبط هو بطلان العمل وسقوطه عن التأثير، وقد قيل: إن أصله من الحبط بالتحريك وهو أن يكثر الحيوان من الأكل فينتفخ بطنه وربما أدى إلى هلاكه.
والذي ذكره تعالى من أثر الحبط بطلان الأعمال في الدنيا والآخرة معا، فللحبط تعلق بالأعمال من حيث أثرها في الحياة الآخرة، فإن الإيمان يطيب الحياة الدنيا كما يطيب الحياة الآخرة، قال تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون:" النحل - 97، وخسران سعي الكافر، وخاصة من ارتد إلى الكفر بعد الإيمان، وحبط عمله في الدنيا ظاهر لا غبار عليه، فإن قلبه غير متعلق بأمر ثابت، وهو الله سبحانه، يبتهج به عند النعمة، ويتسلى به عند المصيبة، ويرجع إليه عند الحاجة، قال تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها:" الأنعام - 122، تبين الآية أن للمؤمن في الدنيا حياة ونورا في أفعاله، وليس للكافر، ومثله قوله تعالى، "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى:" طه - 124، حيث يبين أن معيشة الكافر وحياته في الدنيا ضنك ضيقة متعبة، وبالمقابلة معيشة المؤمن وحياته سعيدة رحبة وسيعة.
وقد جمع الجميع ودل على سبب هذه السعادة والشقاوة قوله تعالى: "ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم:" محمد - 11.
فظهر مما قربناه أن المراد بالأعمال مطلق الأفعال التي يريد الإنسان بها سعادة الحياة، لا خصوص الأعمال العبادية، والأفعال القربية التي كان المرتد عملها وأتى بها حال الإيمان، مضافا إلى أن الحبط وارد في مورد الذين لا عمل عبادي، ولا فعل قربي لهم كالكفار والمنافقين كقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم:" محمد - 9، وقوله تعالى: "إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين:" آل عمران - 22، إلى غير ذلك من الآيات.
فمحصل الآية كسائر آيات الحبط هو أن الكفر والارتداد يوجب بطلان العمل عن أن يؤثر في سعادة الحياة، كما أن الإيمان يوجب حياة في الأعمال تؤثر بها أثرها في السعادة، فإن آمن الإنسان بعد الكفر حييت أعماله في تأثير السعادة بعد كونها محبطة باطلة، وإن ارتد بعد الإيمان ماتت أعماله جميعا وحبطت، فلا تأثير لها في سعادة دنيوية ولا أخروية، لكن يرجى له ذلك أن هو لم يمت على الردة وإن مات على الردة حتم له الحبط وكتب عليه الشقاء.
পৃষ্ঠা ৯৬