তাফসির মিযান
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
فهذه وجوه يوجه بها قوله تعالى: وهو كره لكم إلا أن الأول أنسب نظرا إلى ما أشير إليه من آيات العتاب ، على أن التعبير في قوله: كتب عليكم القتال، بصيغة المجهول على ما مر من الوجه يؤيد ذلك.
قوله تعالى: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، قد مر فيما مر أن أمثال عسى ولعل في كلامه تعالى مستعمل في معنى الترجي، وليس من الواجب قيام صفة الرجاء بنفس المتكلم بل يكفي قيامها بالمخاطب أو بمقام التخاطب، فالله سبحانه إنما يقول: عسى أن يكون كذا لا لأنه يرجوه، تعالى عن ذلك، بل ليرجوه المخاطب أو السامع.
وتكرار عسى في الآية لكون المؤمنين كارهين للحرب، محبين للسلم، فأرشدهم الله سبحانه على خطئهم في الأمرين جميعا، بيان ذلك: أنه لو قيل: عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم أو تحبوا شيئا وهو شر لكم، كان معناه أنه لا عبرة بكرهكم وحبكم فإنهما ربما يخطئان الواقع، ومثل هذا الكلام إنما يلقى إلى من أخطأ خطأ واحدا كمن يكره لقاء زيد فقط، وأما من أخطأ خطاءين كان يكره المعاشرة والمخالطة ويحب الاعتزال، فالذي تقتضيه البلاغة أن يشار إلى خطئه في الأمرين جميعا، فيقال له: لا في كرهك أصبت، ولا في حبك اهتديت، عسى أن تكره شيئا وهو خير لك وعسى أن تحب شيئا وهو شر لك لأنك جاهل لا تقدر أن تهتدي بنفسك إلى حقيقة الأمر، ولما كان المؤمنون مع كرههم للقتال محبين للسلم كما يشعر به أيضا قوله تعالى سابقا: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، نبههم الله بالخطاءين بالجملتين المستقلتين وهما: عسى أن تكرهوا، وعسى أن تحبوا.
قوله تعالى: والله يعلم وأنتم لا تعلمون، تتميم لبيان خطئهم، فإنه تعالى تدرج في بيان ذلك إرفاقا بأذهانهم، فأخذ أولا بإبداء احتمال خطئهم في كراهتهم للقتال بقوله: عسى أن تكرهوا، فلما اعتدلت أذهانهم بحصول الشك فيها، وزوال صفة الجهل المركب كر عليهم ثانيا بأن هذا الحكم الذي كرهتموه أنتم إنما شرعه الله الذي لا يجهل شيئا من حقائق الأمور، والذي ترونه مستند إلى نفوسكم التي لا تعلم شيئا إلا ما علمها الله إياه وكشف عن حقيقته، فعليكم أن تسلموا إليه سبحانه الأمر.
والآية في إثباته العلم له تعالى على الإطلاق ونفي العلم عن غيره على الإطلاق تطابق سائر الآيات الدالة على هذا المعنى كقوله تعالى: "إن الله لا يخفى عليه شيء": آل عمران - 5، وقوله تعالى: "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء:" البقرة - 255، وقد سبق بعض الكلام في القتال في قوله: "وقاتلوا في سبيل الله:" البقرة - 190.
قوله تعالى: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه، الآية تشتمل على المنع عن القتال في الشهر الحرام وذمه بأنه صد عن سبيل الله وكفر، واشتمالها مع ذلك على أن إخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر عند الله، وأن الفتنة أكبر من القتل، يؤذن بوقوع حادثة هي الموجبة للسؤال وأن هناك قتلا، وأنه إنما وقع خطأ لقوله تعالى في آخر الآيات: "إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم" الآية، فهذه قرائن على وقوع قتل في الكفار خطأ من المؤمنين في الشهر الحرام في قتال واقع بينهم، وطعن الكفار به، ففيه تصديق لما ورد في الروايات من قصة عبد الله بن جحش وأصحابه.
قوله تعالى: قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام، الصد هو المنع والصرف، والمراد بسبيل الله العبادة والنسك وخاصة الحج، والظاهر أن ضمير به راجع إلى السبيل فيكون كفرا في العمل دون الاعتقاد، والمسجد الحرام عطف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام.
والآية تدل على حرمة القتال في الشهر الحرام، وقد قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم:" التوبة - 6، وليس بصواب، وقد مر بعض الكلام في ذلك في تفسير آيات القتال.
পৃষ্ঠা ৯৫