هم الذين يقيسون أحوال الكبراء على أحوال نفوسهم الردية، ويسوون بين أفعال الأولياء وبين أفعالهم الغوية، ينكرون ما أقيمت عليه الدلائل ولا يفهمون، ويفرون مما شهدت به الأماثل ولا يثبتون، تراهم سائحين(1) في أودية الضلال، وسابحين(2) في حفرة الجدال، يكتفون بالقيل والقال، ولا يرتقون من حضيض المقال إلى قلة الحال، تراهم كلما سمعوا منقبة من مناقب المجتهدين لاسيما منقبة أبي حنيفة سيد المجتهدين تحيروا وتجهلوا وتحمقوا وتحتاوا وأنكروا واستبعدوا، وكلما نظروا فضيلة من فضائل الأولياء الصالحين وأماثل الكاملين استنفروا واستقبحوا واستعجبوا واستنكروا واستنكفوا واستكبروا.
هم الذين لا تخرج عن ربقة التعصب أعناقهم حتى تسرح في رياض التحقيق أحداقهم، ولا ترتفع غشاوة التصلب عن أبصارهم حتى تنطبع دقائق التفكر في أنظارهم، جل صناعتهم الاعتساف والعناد، وكل بضاعتهم الانحراف عن طريق الرشاد، اتخذوا الطعن على الأئمة إدامهم، وجعلوا اللعن على سلف الأمة شرابهم، هم الذين لا يقلدون أحدا في النظافات، ويقلدون كل أحد في الخرافات لا يتبعون أحدا من الأكياس في التجنب عن الأدناس ويتبعون كل أحد في أخذ الأرجاش والأنجاس، هم الذين يجعلون السلف كالخلف، والدر كالحباب، والدر كالسراب، والفضل كالجهل، والثواب كالعقاب، والبدعة كالسنة، والقشر كاللب، والهجر كالحب.