فإن من دأب المناظرة أن لا يناظر الرجل من هو دونه علما وفضلا، ومن هو فوقه نقصا وجهلا.
فاعلم أن فيما ذكره للنصرة كلاما من وجوه، تعطي لناظر بها النضرة.
الأول: أن الإيراد على الجمهور الذين أرادوا بالدليل ما هو مثبت للحكم بالحيثية العلمية، وحصروه في الأربعة: القياس والإجماع والكتاب والسنة، مدفوع بأدنى تأمل عند من له أدنى درية.
قال السعد التفتازاني في ((التاويح)): الدليل الشرعي إما وحي أو غيره، والوحي إن كان متلوا؛ فالكتاب وإلا فالسنة.
وغير الوحي إن كان قول كل الأمة من عصر؛ فالإجماع وإلا فالقياس.
أو أن الدليل إما أن يصل إلينا من الرسول أولا.
والأول: إن تعلق بنظمه الإعجاز فالكتاب وإلا فالسنة.
والثاني إن اشترط عصمة من صدر عنه فالإجماع وإلا فالقياس.
وأما شرائع من قبلنا، والتعامل، وقول الصحابي ونحو ذلك فراجعة إلى الأربعة.
وكذا المعقول: نوع من استدلال بأحدها وإلا فلا دخل للرأي في إثبات الأحكام.
وما جعله بعضهم نوعا خامسا، وسماه الاستدلال فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النص والإجماع صرح بذلك في الأحكام. انتهى.
فعلم من ذلك أن حصرهم في الأربعة ليس لكون ماعداها خارجا عن الدليل بالمعنى المذكور، بل لكونه ملحقا بأحدها، ومندرجا تحتها من غير فتور.