আল-মানতিক
المنطق
ويجب أن نعرف الآن حال النظم والترتيب، فنقول: إن الخطابة تتعلق بأمرين: الشيء الذي فيه الكلام، والحجة التي تبين ذلك الشيء. وبالجملة: فيه دعوى، وحجة. وللأقاويل الخطابية صدر، واقتصاص، وخاتمة. والصدر هو كالرسم للغرض الذي ينحى نحوه من الأمر. والاقتصاص كالرسم للتصديق، كأنه ذكر ما كان، وما يقتضيه كونه بالإجمال. والتصديق هو الإحكام. والخاتمة هو جمع ما ثب دفعة واحدة على سبيل التوديع للقول. والاقتصاص لا يحتاج إليه في المشورة، لأن الاقتصاص اقتصاص لأمر واقع، فينسب إلى أنه حسن، أو قبيح، كما في المنفرة؛ وإما عدل وجور، كما في المشاجرة. وأما المشورة فليس فيها ما يحكى فيشكى، أو يحمد ويذم، وليس فيها منازعة ومواثبة، بل دلالة على مصلحة قابلة. وإذا تغيرت عن هذه الصورة، عادت شكاية. لكن الصدر يحسن جدا في المشوريات، ليكون الإنسان قد وعى الغرض فيه جملة ما، ثم لا يزال يستبرئ حاله بالمقايسة بين الحجج الموردة من المشاجرين في أمره. وكذلك الخاتمة كقوله: قد قلت ما عندي من المصلحة، والآن فالرأي رأيكم. وبعض الشكايات لا يطول بالاقتصاص، وذلك إذا أريد أن يوجز الكلام. ثم الصدر والاقتصاص والخاتمة هي أقاويل يتلقى بها السامعون، دون الخصم. وإنما يتلقى الخصوم بالتصديقات. والتصديقات تكرر وتطول للتذكير والتفهيم، لا لأن التكرير جزء من الخطبة. ونسبة الصدر إلى الكلام كله نسبة التنحنح إلى الأذان، والترنم الزمري قبل افتتاح الزمر إلى الزمر. وكذلك من أراد من المتعلمين للكتابة أن يجيد صورة ما يكتبه، فإنه يرسم بالنقط أولا؛ ثم يوسع الحروف. ويحسن الصدر في المدح والذم، مثل قول القائل: بالحرى أن يتعجب الناس من فضيلة اليونانيين، ثم يفيض بعد ذلك في عد فضائلهم وتصحيحها. وكذلك في المشورة أن يقول: بالواجب أن يكرم أهل الفضائل، ثم يتخلص منه إلى الإنسان الذي يريد أن يذكره ويشير بإكرامه. وفي الشكاية أيضا، كما يقول: الآن قد بلغ السيل الزبى؛ وكما يقول: وبعد فقد طال ما قيل سمن كلبك يأكلك. وتصدير الخصومة أولى بالطول. وليس الصدر مما يقدمه الخطباء فقط، بل والشعراء المجيدون. اللهم إلا أن يكون الأمر قليل الخطر في كل باب منها، فيكون ترك التصدير فيه أولى، لأن التصدير للعظائم من الأمور. وأما الحيل الخارجة عن الأمر، فوجه فائدتها هو على ما علمت. فمن ذلك ما يتعلق بالمتكلم بأن يثني على نفسه؛ ومنها ما يراد به الاستدراج؛ ومنها ما يراد به تخييل الأمر نفسه على الوجه المراد، وذلك مثل ما يراد به إظهار نقيصة الخصم. والضد. فأما الشاكي فيحسن أن يستعملها بديا، فيقرر فضيلته وخسيسة خصمه. وأما مجيب الشاكي، فإنما يجب عليه أن ينحو نحو صريح الجواب عن الشكاية في أول الأمر، فإنه متوقع، ثم بعد ذلك يأتي بالحيل. والذي يهجو - ويقابل المادح - فينبغي أن يقدم التصديق بسرعة لتعظيم القبح، فإن الترتيب بالجميل أجمل، والمغافصة بالقبيح أوقع؛ ثم يأتي بالحيلة. وأما الشاكي فلا بد من أن يصدر أو يطول. وأما استدراج السامع فهو بتقريب وبسط تارة، وتبعيد وإيحاش أخرى. وليكن التقرب متوسطا، لئلا يحسن الإنسان. وكذلك باستئناس وتحبب تارة، وبضد ذلك أخرى. والتحبب إنما يخيله الظاهر بحيث يصور الخير، وتوجيه القرابة والمنزلة وحسن المنظر. فيجب أن يوهم كل ذلك. فإن كان التحبب لا ينفعه، ولم يكن من شأنه، فالأحرى أن يقتصر على التصديق. والسامع الأحمق أطوع للاستدراج منه للتصديق. فكذلك يجب أن يتلطف لمثله بالتصدير الخالب للقلب، والمزين، والمعظم. واعلم أن الافتتاح بالمخسسات جدا، والغامات المتوحشات في الشكايات قبيح، مسقط لرونق القائل، كتصدير بعض الشاكين: إنك ستخلص عن قريب من بموتي. أو يقول في المشورة: قد يكاد أن تلحقني نكبة بالقتل، فحينئذ تفقدون مثلي؛ وهذه المصببة ليست لي وحدي، بل ولكم. والتصدير من الأشياء التي إنما يراد بها السامع، لذلك ما صار أكثر الناس ينشطون لتطويله. وإن زيدوا، فإن النفوس من السامعين تشتاق إلى الصريح، لكن الإمعان في التصدير وإطالته من الجبن، والضعف عن البوح، والعجز عن التصريح. مثل العبيد الذين يسئلون شيئا، فيجا وبون بما يطيف به، دون ما يسئل. ومدح السامعين نافع للاستدراج. وأما الخطبة، إذا أعدت نحو الشكاية، فليس يحتاج فيها إلى كثير من التصدير، لأن أكثر هذا يكون في الأمر المشهور. اللهم إلا أن لا يكون السامع أو الخصم عرف قدر الأمر، فيحتاج أن ينبه قدره بالتصدير.ون السامع أو الخصم عرف قدر الأمر، فيحتاج أن ينبه قدره بالتصدير.
وأما مقاومة الشكاية فتارة أن يقول: لم يكن؛ وتارة أن يقول: كان، ولم يضر. وإنكار كون ما يشكى أصلا، فهو على وجهين: لأنه إما أن ينكره أصلا، أو ينكر كون جميع ما قال، فيقول: ولا كل هذا. وإنكار الضرر على وجهين: إما أن ينكره أصلا، أو يقول: لم يكن الضرر عظيما. وأيضا من إنكاره أن يقول: لم يكن قبيحا، بل كان واجبا؛ أو يقول: لم يكن لها كبير مقدار قبح. ووجه آخر أن يدعى الخطأ والزلة. ووجه آخر أن يقول: إن هذا كثير الشكاية بالجزاف، فقد شكاني، أو شكا فلانا، ولم يكن من ذلك شيء. وموضع آخر أن يقول: كانت نيتي جميلة فيما فعلته؛ وإن كنت آذيتك، فقد كانت فيه مصلحة لك. كالذي يحنث في يمينه فيرى وجه التخلص أن يدعى نية مضمرة تخالف الظاهر من الحلف. ونحو آخر أن يقابل السيئة المشكوة بحسنات مشكورة، فإن هذا يوهن أثر الشكاية. وقد يقابل هذا، فيقال: والدهاة إذا أرادوا أن يضروا، غمروا المضرور أولا بالمنافع ليؤمنوا. ويقال: إن أسأت فعلا، فقد أسأت شكايته. وهذه المقابلة هجاء ما للشاكين، ونسبة إياهم إلى التزوير والسعاية. ثم يقال: إن الساعي يمدح عند المسعى إليه يسيرا، ويهجى عند الناس كثيرا؛ وإن المعتذر أكرم من الشاكي، فإن المعتذر ينحو نحو الفضيلة، ويثبت العدل؛ والشاكي ينحو نحو المذمة، ويحاول أن يثبت الأمر الخسيس الذي هو الجور.
والاقتصاص هو ايجاز لما يراد أن يظهر ويوضح بعد، ولكن لا على ذلك النسق والترتيب، بل بإشارة جزئية. وربما كان الاقتصاص مخلوطا بشيء غير صناعي، وربما كان مخلوطا بالصناعي. ولما كان الاقتصاص كالرسم للتصديق، وكان شيئا يحتاج أن يثبت في الذهن أولا إلى أن يتمم ويرى، فيجب أن لا يراعى فيه حقوق الترتيب، فيخرج به عن الغرض فيه. وكثير من الأشياء ظاهرة، ولا تحتاج إلى اقتصاص مجمل، لأن الجملة من أمره ظاهرة. إنما الحاجة فيه إلى اتباع التصديق بالتفصيل. فذلك هو المطلوب. مثلا: إذا كان يخطب في مدح إنسان، وذلك الإنسان معروف بمدح الناس إياه، ومجهول الممادح بالتفصيل، فإذا وقع الاقتصاص قبل التفصيل، لم يفد معرفة شيء ليس عند الناس به معرفة مما يجب أن يفاد بالقول حتى يعتقد ويرى. فإذا لم يحتج إلى ذلك، فالأولى أن يعرض عنه، ويشتغل بالبيان. فمثل هذا لا يحتاج إلى اقتصاص. اللهم إلا أن يكون الحاكم غريبا، فيحتاج أن يفعل ذلك.
ويجب أن يأتي الخطيب في المديح بالتصديقات المأخوذة من الأفعال والأوصاف الخاصة بالممدوح، فبها تعظم الفضيلة. وأما الأمور الاتفاقية والخارجية فيؤتى بها لتأكيد التصديق، كما يقال: وبالحرى أن كان ت وهو ولد الفاضلين - فاضلا.
পৃষ্ঠা ২৬২