আল-মানতিক
المنطق
واعلم أن اللفظ المكتوب ينبغي أن يكون أشد تحقيقا واستقصاء في الدلالة، واللفظ المخاطب به يكون أشد اختلاطا بأخذ الوجه والنفاق المذكورين، سواء كان خلقيا أو انفعاليا. والمنافقون، الآخذون بالوجوه، شديدو الحرص على قراءة الكتب النافعة في أخذ الوجوه، والكتاب على قراءة الكتب النافعة في تجويد اللفظ. والشعراء أيضا كذلك. وما يسمع، ولا يقرأ، ينسى، فلا يتصدى لنقد الفكر، ولا يلزم من تصحيحه ما يلزم من تصحيح المكتوب. ولهذا ما كان كثير من التاب المهرة لا يجيدون الإقناع بالمخاطبة؛ وكثير من الخطباء المقنعين المفلقين لا يحسنون أن يعملوا بأيديهم إقناعا. والسبب في ذل أن المنافقة شديدة الموافقة في المنازعات والمفاوضات. وتشبهها أحوال أخرى مثل إهمال الرباطات باختصار أو تكرير الأول الواحد استظهارا. وليس شيء من هذا بملائم للكتابة. واختلاط أخذ الوجوه بالتغييرات شديد المعونة في الإقناع، لأنهما يتفقان جميعا على تضليل الذهن. ويكون ترك النفاق كالأخذ بفضل القوة. واستعمال النفاق كالأخذ بالتلطف والالتماس. وكذلك إذا استعملت الألفاظ مجردة عن الرباطات، فقال مثلا: وافيت (بالوقف)، طلبت (بالوقف)، ولم يدل باللفظ على المقصود، بل بالاشارة، والهيئة، والنغمة. والتثقيل المرتل والتعجيل الحدر من هذه الأبواب. وأعلم أن الاختصار في ترك الرباطات هو اختصار لفظي، وليس اختصارا معنويا. فإن الرباط يجعل الكلام الكثير كالواحد، وتركه يجعل الكلام مفرقا، مكثرا، فيوهم معاني كثيرة، كمن لا يقول: وافيت ولقيت وطلبت، بل يقول: وافيت، لقيت، طلبت، فإن هذا يوهم كأنه عمل أمرا كثيرا. وقد يحسن في الخطبة تصدير يفهم الغرض الذي يصار إليه، وخصوصا في المشورية. فإن الخطب على رءوس الملأ تكون في الأكثر مشورية، وقد تكون منافرية. وقد علم ذلك خطباء العرب، مثل خطبهم في الفتوح التي يبتدئون بها، فيقول: الحمد لله معز أوليائه، قاهر أعدائه، فيقدم شيئا كالرسم قبل التصوير يوقف منه على الغرض. فإن الجمع كلما كان أكثر، احتاج إلى تفهيم أكثر، وإقناع أقل،؛ وذلك لأن تصديق الأكثر والجمهور والغاغة بالشيء سهل، وإنما يتعسر تصديق الخواص البحت، إذا انفردوا بالمباحثة. وتفهيم الأكثر صعب، إنما يسهل تفهيم الخواص البحت. والقول الخصومي يحتاج أن يجعل قولا شديد التقريب من الغرض، وأن يكون اللفظ فيه شديد المطابقة للمعنى، لا سيما حيث لا يكون كالخطبة، بل يكون بين يدي حاكم واحد ومجلس خاص، وذلك لأن تكلف الخصومة في مثل هذا الموضع يكون أيسر منه على رأس الملأ المزدحم. فإن مثل هذا الموضع يحتاج إلى عمل واحد من الخطابة، وهو حسن العبارة، ولا يحتاج إلى كثرة الاستعارات والتشبيهات والتهويلات كما تحتاج إليها الخطبة التي على المثابر، وعند المحافل، بل الاشتغال في المشاجرة التي تكون في مجلس خاص يجب أن يكون مقصورا على إظهار الغرض الخاص بالأمر، وأن يظهر بالقريب منه، وحتى لا يكون الشاكي منهما أيضا قد بعد عن المراد. وذلك لأن القضاء في المجلس الخاص مصرح مهذب مخلص، لا يحتاج فيه إلى التكلف الذي يحتاج إليه في المحافل. فلذلك لا نجد المعتادين للخطبة على رءوس الملأ ينجحون في مجالس الخاصة إنجاحهم على المنابر، لأن النفاق والأخذ بالوجوه هناك أحسن وأروج. لأن ما يرا أن يفهمه جماعة يكون بحسب الأقرب إلى فهم أرذلهم. وأما ما يخاطب به الخواص، فهو شيء آخر. فإذ كان المراد بالخطاب العامي هو التكثير، ليس التحقيق، فالنفاق أنفع فيه من الاستقصاء. وأما اللفظ المرئي، أي المكتوب الذي ليس بمسموع، فمنه الرسائل ولا يحتاج فيها إلا إلى القراءة؛ ومنها السجلات التي يخلدها القضاة والخطباء، ولا يحتاج فيها إلا إلى القراءة؛ ومنها السجلات التي يخلدها القضاة والخطباء، ولا يطلب فيها غاية التعظيم والتفخيم للكلام، فإنه مبغوض، بل أن يكون جزءا من الكلام مهذبا. وإذا اشتمل على التحميد والعظة، فينبغي أن تكون العبارة عنه على ما بينا فيما سلف. ويجب أن يكون أشد الكلام تقويما. لأن السجل أشرف من الرسالة وأبقى، وأشد احتياجا إلى الغرض. فينبغي أن تكون ألفاظه ألفاظا مشهورة، غير غريبة، ليس من المشهورات السفسافية. ولا ينبغي أن تكون فيها إضمارات كثيرة، فإنها تردها إلى الغربة عن الشهرة، والاختصار يفقدها الغرض في أمثالها. ولا بد من أن خلط بها أيضا أشياء لطيفة من التغييرات المعتادة، وقليل من الغريبة، وشيء من الوزن الخطابي على الجهات المقنعة المذكورة.
فصل الفصل الرابع في أجزاء القول الخطابي وترتيبها وخاصيتها في كل باب من الأبواب الثلاثة وما يفعله المجيب فيها
পৃষ্ঠা ২৬০