আল-মানতিক
المنطق
إن اللذة حركة النفس نحو هيئة تكون عن أثر يؤديه الحس بغتة، يكون ذلك الأثر طبيعيا لذلك الحس. وأعني بالحس الظاهر والباطن معا. والشيء الذي يفيد هذه الحركة هو اللذيذ، وضده الذي يفيد هيئة مضادة لهذه هو المؤلم. فالأمور الطبيعية كلها لذيذة. والمعتادة والمتخلق بها هي أيضا كالطبيعة، إذ العادة كأنها طبيعة مكتسبة. والمستكره مخالف لهما مؤلم. ولذلك صار الاعتناء وبذل الجهد والدؤب من المؤلمات، والكسل والاستراحة والتواني والعصيان والترف والنوم من اللذيذات، لأنها نحو الأمر الطبيعي. والمشتهى لذيذ كيف كان لذة نطقية أو غير نطقية. وغير النطقية هي التي يتوجه إليها الشوق لا عن فكرة ورأي وتمثيل بين أنه هل يجب أن يطلب أو أن لا يطلب، وهي التي تنسب إلى الطبيعة وإلى الحس. لكن السمع والبصر قد يختصان بتأدية لذات إلى النفس ليست طبيعية، بل عقلية، بما تدل عليه من غير المعنى المحسوس، كمن يسمع فضيلة فينزع إليها، أو يبصر صنعا جميلا فيحن نحوه، ويؤثر التشبه به، أو يقرؤه من مكتوب. وأما التخيل فله نوع من اللذات، إلا أن التخيل حس ضعيف كأنه أثر عن حس، ويلذ بالتذكير أو بالتأميل. وأكثر المأمول يطابق المذكور وخصوصا وإنما تؤمل تركيبات عن مفردات محسوسة وسالفة، فيكون الالتذاذ بالذكر أو بالأمل تابعا للذة حسية شوهدت فذكرت، ثم أملت. وإن الحس للحاضر، والذكر للماضي، والتأميل للمنتظر. وربما كان الذكر والتأميل أشد إلذاذا من المركون إلى حصوله. فإن الشوق يسقط مع الظفر. والملال من هذا القبيل. وهذا يختلف باختلاف الأوقات، والالأحوال، والسجايا. ومن الأذكار اللذيذة أذكار مشقات قوسيت فتخلص بها من خطر، أو توصل بها إلى مراد ووطر. وانبعاث الغضب أيضا فكثيرا ما يلذ، لتخيل الغلبة اللذيذة واستقرائها، كما قال أوميروس: إن الغضب لأجل من الشهد. وللا الغلبة لما لذ الغضب. فإن الغضب على من لا يرجى الانتقام منه. لعلو شأنه، غير لذيذ. وأيضا فإن الساقط الخامل الذي لا اعتداد به قلما يلتذ بالتسخط عليه، لقلة الالتذاذ بغلبته. والشهوة قبل المواقعة قد تلذ، لمثل هذا الشأن. وذلك لأنه يتخيل معه المواقعة ومصادفة المشتهى، فتلذ. ولهذا ما يلتذ المتذكر والمؤمل. ولهذا ما يعرض لبعض المصابين أن ينقبضوا عن المآتم والمناحات تسلية للنفس بلذات الذكر والأمل، وخشية أن يؤكد المأتم خيال الألم في النفس. وربما اجتمع في عارضة واحدة لذة وألم، كالمصاب فإنه يلتذ بتذكار من أصيب به، ويتألم بفقدانه، وكما قال أوميروس الشاعر في وصف كلام إنسان يندب ميتا ويؤبنه ويذكره: إنه لما تكلم بذلك، صرخوا صرخة فاجعة لذيذة. ومن اللذيذات إدراك الثأر، وإخفاق العدو في الطلبات. وكما أن الحنق، إذا لم يستقص التشفي بالانتقام، بقي حسيرا، إلا أن يترجى التلاقي، فيفرح بالرجاء. والغلبة لذيذة، لا لجمهور الناس، بل لسائر الحيوان، فضلا عن مؤثريها من الناس خلقا وطباعا، وإن اختلفت الدرجات فيه. ولهذه العلة ما صار استعمال الأدوات اللعبية كالضرب بالصولجان والمراماة بالأحجار والملاعبة بالشطرنج والنرد وسائر ما يجري مجراها لذيذة . فبعضها لا يلذ ما لم يتمهر فيها كالشطرنج والنرد، وبعضها يلذ في الحال كالصيد. والغلبة بالواجب والقسط ألذ عند قوم، والتي تقع بالمشاغبية والتلبيس ألذ عند آخرين، يحسب انشعاب الهمم. وكثير من الغلبة وغير الغلبة يرغب فيه لما يتبع ذلك من الكرامة، لما يتخيل من استحقاق الغالب والمعجب إياها مع الغلبة أو التعجب. فإن المجتهد في الفضيلة ربما صرف وكده إلى اجتهاده بسبب الوجوه. وحتى إن إكرامه على ذلك يزيده غلوا فيه. ووجوه الحاضرين أدعى إلى ذلك من الغيب، والمعارف أولى بأن يبتغي وجوههم من الأجانب. والبلديون أولى به من الغرباء. والحاصلون أولى به من الآتين. والمحصلون أولى به من الأغتام. والأكثر عددا أولى به من الأقل. وأما المستخف بهم جدا مثل البهائم والأطفال وأشباههم من الناس فلا تهتز الأنفس إلى طلب الوجه لديها. والأحباء من الأمور اللذيذة. فما من حبيب حتى الجسم إلا ويستلذ. وإنما يستلذ الحبيب لما يتخيل فيه من خير يصل منه أو يريده هو لمن يحبه. وأما التذاذ الإنسان بأن يكون محبوبا مقربا فليس لأجل شيء خلا نفسه. وكذلك أن يكون متعجبا منه، ولأجل ذلك ما يبارز المعجب من نفسه بين الصفوف ومجمع الزحام ومآقط اللقاء، فيتجشم ما يتجشمه التذاذا بما يعجب من نفسه. والتملق أيضا لهذا السبب لذيذ. فإن المتملق معجب من نفسه بما يظهره من الموالاة. وتكرير اللذيذ لذيذ. والمعتاد لذيذ. وتغير الأحوال وتجددها لذيذ، لما يستحدث معه من الإحساس بها، ويكمل به من الوهم المتسلط علينا. فإن الوهم إنما يستكمل بما تورده عليه الحواس من الفوائد الجديدة. وأما الحاصل فيكون كشيء قضى منه الوطر، فلا تأثير لبقائه. والتعلم لذيذ ويشبه أن يكون إلذاذه لما يخيل من التعجب منه إذا استكمل، ولأن التعلم يخرج أمرا دفينا في قوة الطبيعة إلى الاستكمال وإلى حصوله صنعة. والفعل الجميل إذا فعل لذيذ. والانفعال الجميل كالاحتمال الدليل على جودة الاقتدار، وكمال المسكة لذيذان، وكأنداب الجروح في مزاولة الشجاعة. والفعل الحسن إنما يلذ لأنه يشتاق فيه إلى أمرين: أحدهما الحسن، والآخر إظهار الاقتدار. وفي الانفعال أحدهما فقط. والهداية لذيذة. والكفاية لذيذة. وانسداد الخلة لذيذ. وكما أن التعلم لذيذ بسبب ما يتوقع من التعجيب، كذلك المحاكمات كلها كالتصوير والنقش وغير ذلك لذيذة، حتى إن الصورة القبيحة المستبشعة في نفسها قد تكون لذيذة إذا بلغ بها المقصود من محاكاة شيء آخر، هو أيضا قبيح مستبشع، فيكون إلذاذها لا لأنها حسنة، بل لأنها حسنة المحاكاة لما حوكي بها عند مقايستها به. والحيل التي يتخلص بها عن المكاره لذيذة، لا لغايتاتها، بل لجودة ترتيبها. هذا كله للمناسبات بين الصورة مثلا وما يحاكيها، وبين الحيلة وما تعمل فيه. وهذه المناسبات أمور في الطبيعة. وشبيه اللذيذ لذيذ، مثل شبيه الصديق. وشبيه نفس الشيء لذيذ إليه، لأنه نفسه إلى نفسه لذيذ، مثل الصبي إلى الصبي، واللص إلى اللص. وكذلك المناسب في العادة، لأن العادة محبوبة. والسلطان والترائي بالحكمة والاستبصار لذيذ عند الجميع، وخصوصا عند محبي الكرامة. والتمكن من عول الأقارب ورياستهم لذيذ. ثم ارتياض المرء فيما بينه وبين نفسه في اكتساب الفضيلة جيد لذيذ. والمضاحك والنوادر والفكاهات الحادة لذيذة. فهذه هي اللذيذات، وأضدادها هي المؤذيات.، لما يستحدث معه من الإحساس بها، ويكمل به من الوهم المتسلط علينا. فإن الوهم إنما يستكمل بما تورده عليه الحواس من الفوائد الجديدة. وأما الحاصل فيكون كشيء قضى منه الوطر، فلا تأثير لبقائه. والتعلم لذيذ ويشبه أن يكون إلذاذه لما يخيل من التعجب منه إذا استكمل، ولأن التعلم يخرج أمرا دفينا في قوة الطبيعة إلى الاستكمال وإلى حصوله صنعة. والفعل الجميل إذا فعل لذيذ. والانفعال الجميل كالاحتمال الدليل على جودة الاقتدار، وكمال المسكة لذيذان، وكأنداب الجروح في مزاولة الشجاعة. والفعل الحسن إنما يلذ لأنه يشتاق فيه إلى أمرين: أحدهما الحسن، والآخر إظهار الاقتدار. وفي الانفعال أحدهما فقط. والهداية لذيذة. والكفاية لذيذة. وانسداد الخلة لذيذ. وكما أن التعلم لذيذ بسبب ما يتوقع من التعجيب، كذلك المحاكمات كلها كالتصوير والنقش وغير ذلك لذيذة، حتى إن الصورة القبيحة المستبشعة في نفسها قد تكون لذيذة إذا بلغ بها المقصود من محاكاة شيء آخر، هو أيضا قبيح مستبشع، فيكون إلذاذها لا لأنها حسنة، بل لأنها حسنة المحاكاة لما حوكي بها عند مقايستها به. والحيل التي يتخلص بها عن المكاره لذيذة، لا لغايتاتها، بل لجودة ترتيبها. هذا كله للمناسبات بين الصورة مثلا وما يحاكيها، وبين الحيلة وما تعمل فيه. وهذه المناسبات أمور في الطبيعة. وشبيه اللذيذ لذيذ، مثل شبيه الصديق. وشبيه نفس الشيء لذيذ إليه، لأنه نفسه إلى نفسه لذيذ، مثل الصبي إلى الصبي، واللص إلى اللص. وكذلك المناسب في العادة، لأن العادة محبوبة. والسلطان والترائي بالحكمة والاستبصار لذيذ عند الجميع، وخصوصا عند محبي الكرامة. والتمكن من عول الأقارب ورياستهم لذيذ. ثم ارتياض المرء فيما بينه وبين نفسه في اكتساب الفضيلة جيد لذيذ. والمضاحك والنوادر والفكاهات الحادة لذيذة. فهذه هي اللذيذات، وأضدادها هي المؤذيات.
فهذه هي ما يدخل في باب اللذة من غايات الجور.
فصل الفصل السابع في الأسباب المسهلة للجور كانت في نفس ما جير به أو في الجائر أو في المجور عليه
পৃষ্ঠা ২১১