وحدثني ، قال : حدثني أبو يحيى بن مكرم ، القاضي البغدادي ، قال : حدثني أبي ، قال : كان في جواري شيخ يعرف بأبي عبيدة ، حسن الأدب ، كثير الرواية للأخبار ، وكان ينادم إسحاق بن إبراهيم المصعبي . فحدثني : إن إسحاق استدعاه ذات ليلة ، في نصف الليل ، بعدة رسل . قال : فهالني ذلك ، وأوحشني ، لما أعرفه من زعارة أخلاقه ، وشدة إسراعه إلى القتل ، وخفت أن يكون قد نقم علي شيئا في العشرة ، أو بلغه عني باطل ، فأحفظه ، فيقتلني . فخرجت طائر العقل ، حتى أتيت داره . فأدخلت من دار إلى أخرى ، إلى أن أدخلت دار الحرم ، فاشتد جزعي ، ثم أدخلت إلى حجرة لطيفة ، فسمعت في دهليزها ، بكاء امرأة ، متخافتا ، وهو جالس على كرسي ، وبين يديه سيف مسلول . فذهب علي أمري ، وسلمت ، ووقفت . فقال : اجلس يا أبا عبيدة ، فسكن روعي ، وجلست . فرمى إلي قصصا ، فإذا هي رقاع أصحاب الشرط في الأرباع ، يخبر كل واحد منهم ، بخبر يومه ، وفي أكثرها ، كبسات وقعت ، بنساء من بنات الوزراء ، والرؤساء من الكتاب ، وبنات القواد والأمراء ، مع رجال على ريب ، وإنهن محصلات في الحبوس ، ويستأذن في أمرهن . فقلت : قد وقفت على هذه الرقاع ، فما يأمرني الأمير ؟ فقال : إن هؤلاء ، كلهن ، أجل آباء مني ، وأكثر حسبا ومالا ، وقد أفضى بهن الدهر ، إلى ما قد رأيت ، وقد وقع لي أن بناتي سيبلغن إلى هذا ، وقد جمعتهن - وهن خمس - بالقرب من هذا الموضع ، لأقتلهن كلهن الساعة ، وأستريح ، فماذا ترى في هذا ؟ . فقلت : أيها الأمير ، إن آباء هؤلاء المحبسات ، أخطئوا في تدبيرهن ، لأنهم خلفوا عليهن النعم ، ولم يحفظوهن بالأزواج ، فخلون بأنفسهن ، ففسدن ، ولو كانوا علقوهن على الأكفاء ، ما جرى هذا منهن . والذي أراه ، أن تستدعي فلانا ، القائد ، فله خمسة بنين ، كلهم جميل الوجه حسن النشوة ، فتزوج كل واحدة منهن ، بواحد ، فتكفي العار ، والنار . فقال : أحسنت يا أبا عبيدة ، أنفذوا الساعة إليه ، وافرغ لي من هذا . قال : فراسلت الرجل ، فما طلع الفجر ، حتى حضر وأولاده ، وعقدت النكاح لهم ، على بنات إسحاق ، في خطبة واحدة ، وحمل إسحاق بين يدي كل واحدة ، خمسة آلاف دينار ، عينا ، وشيئا كثيرا من الطيب ، والثياب ، والدواب ، والبغال ، والغلمان . فأعطاني كل واحد من الأزواج شيئا مما وصل إليه ، وأنفذ لي أمهات الأولاد ، هدايا في الحال ، وشكرنني على تخليص بناتهن ، وانقلبت الحال إلى السرور . فخرجت ، وقد حصل لي ثلاثة آلاف دينار عينا ، وشيء كثير ، من الطيب والثياب .
পৃষ্ঠা ১৩০