سبب الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة له تعلق بالخلاف السابق في مسألة النهي عن البروك كبروك البعير، وله سبب آخر هو: تعارض أحاديث النهوض بلا اعتماد والنهي عن ذلك مع حديث مالك بن الحويرث في صفة صلاة النبي ﷺ، وذكر فيه الاعتماد، وهو من باب تعارض القول والفعل.
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الاعتماد على اليدين عند النهوض بلا عذر.
أسباب الترجيح:
١ - أنه القول الوسط الذي به تجتمع الأدلة، والجمع بين الأدلة أَولى من إهمال بعضها.
٢ - أنه اتفق أكابر الصحابة الذين كانوا: أقرب إلى رسول الله ﷺ، وأشد اقتفاء لأثره، وألزم لصحبته من مالك بن الحويرث ﵁، على خلاف ما قال، فوجب تقديمه (^١).
المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:
تبين فيما سبق أن أصحاب القول الأول حملوا النهي على الاعتماد على اليدين حال النهوض على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له عن التحريم: ورود النص، وفيه فِعله ﷺ للمنهي عنه.
وذلك في حديث مالك بن الحويرث ﵁ أنه ﷺ اعتمد على الأرض ثم قام، ويُحمل على أنه فعله تشريعًا وبيانًا للجواز، أو أنه فعله لكبره ومشقة القيام عليه.
قال علي القاري ﵀ (^٢): «يمكن حمله على بيان الجواز، أو على حالة الكبر، وهو
(^١) فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٣٠٩).
(^٢) هو: علي بن (سلطان) محمد، نور الدين الملّا الهروي القاري، فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره، ولد في هراة وسكن مكة، وصنف كتبا كثيرة، منها: «تفسير القرآن» و«الأثمار الجنية في أسماء الحنفية» و«الفصول المهمة» و«شرح مشكاة المصابيح» و«شرح مشكلات الموطأ» و«شرح الشمائل» وغيرها، توفي بمكة في شوال سنة ١٠١٤ هـ. يُنظر: الفوائد البهية (ص: ٨)، الأعلام، للزركلي (٥/ ١٢).