حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية
الناشر
دار القمري
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
مناطق
مصر
يطلب من الله ﵎ أن يرزقه وارثًا، بل الأصل في أنبياء الله ﷿ أنهم لا يبقون المال، بل يتصدقون به في وجوه الخير.
ثالثًا: وهو ما يدل عليه سياق الآية، وهو قول الله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾، كم شخص في آل يعقوب؟ وأين يحيى ﵇ من آل يعقوب؟ آل يعقوب هم كل بنيه ﵇ (بني إسرائيل)، إذن فكيف يكون نصيب يحيى ﵇؟ ثم إن يحيى ﵇ محجوب بالفرع الوارث!
فلا شك أن قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يَرُدّ على قول من يقول: إنه أراد وراثة المال بل ذكر يعقوب لأن يعقوب نبي وزكريا نبي، فأراد أن يرث النبوة والعلم والحكمة، وقد تقدم الحديث: «إن الأنبياء لم يورِّثوا درهمًا ولا دينارًا وإنما ورثوا العلم».
ثم بعد ذلك نقول: إن أهل السنة في هذه المسألة لا يبحثون عن عذر لأبي بكر ﵁، وذلك لأنه يستدل بحديث متواتر عن النبي ﷺ، ففاطمة ﵂ لما ما قبلت منه هذا الكلام حاول أهل السنة أن يبحثوا عن عذر لفاطمة لا لأبي بكر، لأنهم لا يرون أن أبا بكر قد أخطأ في حق فاطمة. والمشهور أن أبا بكر ترضَّاها حتى رضيت، قال ابن حجر ﵀ (١): «روى البيهقي [٣٨٤ - ٤٥٨هـ] من طريق الشعبي أن أبا بكر عاد فاطمة فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذن عليك، قالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها، فترضاها حتى رضيت. وهو وإن كان مرسلًا فإسناده إلى الشعبي صحيح وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة ﵍ على هجر أبي بكر، وقد قال بعض الأئمة إنما كانت هجرتها انقباضًا عن لقائه والاجتماع به وليس ذلك من الهجران المحرم، لأن شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا وهذا، وكأن فاطمة ﵍ لما خرجت غضبى من عند أبي بكر تمادت في اشتغالها بحزنها ثم بمرضها، وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: لا نورث، ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع
(١) ابن حجر: فتح الباري (٦/ ٢٠٢).
1 / 647