532

توضيح الأحكام شرح تحفة الحكام

(أما) العاريه فأبحاثها ستة (الأول) في معناها لغة واصطلاحا (الثاني) في أركانها (الثالث) في حكمتها (الرابع) في حكمها (الخامس) في أصل مشروعيتها (السادس) في اللواحق وهي التي تكلم عليها الناظم (فأما) العارية في اللغة فهي نسبة إلى العارة وهي أسم من الإعارة يقول أعرته الشيء إعارة وعارة مثل أطعته إطاعة وطاعة واجبته إجابة وجابة وسميت عارية لأنها عار على طالبها تقول العرب هم يتعاورون العواري ويتعورونها إذا أعار بعضهم بعضا وقد تخفف ياء العارية في الشعر والجمع العواري بالتخفيف والتشديد على الأصل واستعرت منه الشيء فأعارنيه كذا في المصباح. وفي الاصطلاح عرفها الإمام ابن عرفة بالمعنى المصدري بقوله هي تمليك منفعة مؤقتة لا بعوض اه فتدخل العمرى والإخدام ويخرج بقوله منفعة تمليك الذوات وتمليك الانتفاع والفرق بين الانتفاع والمنفعة هو أن المنفعة له أن يستوفيها بنفسه أو بغيره فله أن يعيرها أو يستأجرها لمثله إن لم يحجر عليه ولو بالعادة بخلاف مالك الانتفاع كسكان المدارس والزوايا فإنهم لا ينتفعون إلا بأنفسهم وليس لهم أن يؤاجروا ذلك أو يعيروه لغيرهم (وقوله) مؤقتة حقيقة أو حكما لتدخل المعتادة عند الإطلاق لإخراج الحبس فإن الغالب فيه التأبيد (وأما) بالمعنى الاسمي وهو مراد الناظم هنا فهي مال ذو منفعة مؤقتة ملكت بغير عوض فقوله بغير عوض تخرج به الإجارة (وأما) أركانها فأربعة المعير وشرطه أن يكون من أهل التبرع مالكا للمنفعة. والمستعير وشرطه أن يكون ممن يجوز شرعا انتفاعه بالعارية. والشيء المعار وشرطه أن يكون الانتفاع به ممكنا مع بقاء ذاته كالثوب والكتاب بخلاف الطعام ونحوه فإنه لا يعار بل يقرض وإن تكون منفعته مباحة للمستعير فلا تعار الأمة للوطء. والصيغة التي يقع بها العقد أو ما يقوم مقامها من الأفعال التي تفهم منها العارية (وأما) حكمة مشروعيتها فلتزكية النفس وتطهيرها من داء البخل واستجلاب المحبة وإبقاء # المودة (وأما) حكمها في الإسلام فقد يعرض لها الوجوب كغني عنها لمن يخشى هلاكه بعدمها كثوب لوقاية ضرر البرد وإبرة لتخييط جرح في البطن وسكين لذبح نحو شاة يخشى عليها الموت ونحو ذلك. والحرمة بأن كانت تعين على معصية كسلاح لقاطع طريق ومحل للفسق. والكراهة ككونها معينة على فعل مكروه. وذلك لأن الأصل فيها الندب فهي معروف وإحسان والله يحب المحسنين (وأما) الأصل في مشروعيتها فقول الله تعالى وافعلوا الخير الآية. وقد ورد في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار فرسا من أبي طلحة واستعار من صفوان بن أمية درعه يوم حنين فقال له اغصب يا محمد قال بل عارية مضمونة وفي أبي داوود والترمذي وابن ماجه من حديث إمامه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم قال الترمذي حسن صحيح (وأما) اللواحق وهي ما عدا الأركان فقد أشار إليها الناظم مع شيء من حكم الحديث المتقدم فقال

(وما استعير رده مستوجب ... وما ضمان المستعير يجب)

(إلا بقابل المغيب لم يقم ... بينة عليه أنه عدم)

(أو ما المعار فيه قد تحققا ... تعد أو فرط فيه مطلقا)

صفحة ٥٨