432

توضيح الأحكام شرح تحفة الحكام

يعني أن السلم جائز فيما عدا الأصول من عرض وطعام وعين وثمار وحيوان فهذه أقسام البيع المتقدمة. ولا يكون المسلم فيه من هذه الأقسام الخمسة معينا كما قال الناظم وليس في المال يعني به المعين بل إنما يكون المسلم فيه منها دينا في الذمة وكونه دينا في الذمة هو (الشرط الأول) من شروط المسلم فيه (والذمة) وصف اعتباري كالطهارة قائم بالإنسان يقبل الالتزام لما التزمه اختيارا كنفقة على فقير وصلاة وصوم ونحو ذلك ويقبل الإلزام لما ألزمه الحاكم إياه من أرش جناية أو عيب أو طلاق بسببه # إلى غير ذلك. وإنما يكون ممنوعا في المعين لأنه إن كان ملكا للمسلم إليه وشرط التأجيل أو قصده منع لأنه شراء معين يقبض إلى أجل بعيد وإن قصد تعجيله فلا معنى لتسميته سلما بل هو بيع معجل جائز. وإن كان ملكا لغيره فلا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عندك (قال) ابن راشد رحمه الله تعالى (فائدة) بيع ما ليس عنده على ثلاثة أوجه جائز ومكروه ومختلف فيه (فالجائز) أن يبيعه ما ليس عنده إلى أجل بنقد وهو السلم (والمكروه) أن يبيعه ما ليس عنده نقدا أو إلى أجل بثمن إلى أجل. والمختلف فيه أن يبيعه ما ليس عنده نقدا بنقد فقيل مكروه وقيل حرام اه (الشرط الثاني) من شروط المسلم فيه أن يكون مضبوطا بصفاته التي تختلف باختلافها القيمة في السلم عادة بحيث تكون معلومة لهما ولغيرهما لأنه متى أختص المتعاقدان بعلمها دل ذلك على ندورها والندور يقتضي عزة الوجود فيؤدي ذلك إلى التنازع فتنتفي الرخصة التي هي أصله وإلى هذا أشار الناظم بقوله (وشرط ما يسلم فيه أن يرى متصفا الخ) ولهذا منع السلم في الأصول المفهوم من قوله (فيما عدا الأصول جوز الخ) فمفهومه أن الأصول لا يجوز فيه السلم وهو كذلك لأنها وأن كانت تضبط بالصفة لتشاح الناس في مواضعها واختلاف أغراضهم فيها فلا بد من تعيينها دفعا لكثرة الخطر وإذا عين موضعها خرج عن كونه سلما في الذمة وصار في معين كما يمنع السلم في ما لا يمكن وصفه كتراب المعدن فإنه لا يسلم فيه عين ولا عرض لأن صفته لا تعرف فإن عرفت بتجربة جاز أن يسلم فيه عرض ونحوه لا غين لئلا يدخله الربى (الشرط الثالث) من شروط المسلم فيه أن يكون مؤجلا بأجل معلوم للمتعاقدين وإليه أشار الناظم بقوله مؤجلا وسواء كان الأجل حقيقيا وأقله نصف شهر إلا أن يشترط أن يقبض المسلم فيه ببلد غير بلد العقد على مسافة كيومين ذهابا فقط ويخرج المسلم إليه بالفور لدفع المسلم فيه فرارا من جهالة زمن القبض وإلا فلا بد من التأجيل بنصف شهر فأكثر أو حكميا كمن لهم عادة بوقت القبض فلا يحتاج إلى ضرب أجل قاله اللخمي (الشرط الرابع) من شروط المسلم فيه أن يكون مقدرا # بكيل أو وزن أو ذرع أو عدد وإليه أشار بقوله (مقدار بوزن الخ) (الشرط الخامس) من شروط المسلم فيه أن يكون موجودا في الغالب عند حلول أجله المعين بينهما كما مر في الأجل الحقيقي أو الحكمي وإليه أشار بقوله (مما يصاب غالبا عند الأمد) وسواء كان يملكه البائع أم لا (قال) في المدونة ما ينقطع من أيدي الناس في بعض السنة من الثمار الرطبة وغيرها لا يشترط أخذ سلمه إلا في أبانه وإن شرط اخذه في غير أبانه لم يجز لإنه شرط ما لا يقدر عليه اه مواق (فرع) مرتب فإن انقطع المسلم فيه الذي له وقت معين يوجد فيه لفوات أبانه بسبب البائع خير المشتري في الفسخ عن نفسه فيرجع بعين ماله إذا كان المسلم فيه طعاما ولا يجوز أخذ غيره لما يلزم عليه من بيع الطعام قبل قبضه وفي البقاء لعام قابل وإن كان التأخير بسبب المشتري فإنه لا يخير بل يبقى لعام قابل لظلمه البائع بالتأخير فتخييره زيادة ظلم قاله ابن عبد السلام وكذا إذا غفلا معا حتى فات الأبان بانقطاعه بأمر سماوي كجائحة ولم يقبض شيئا من المسلم فيه أما إن قبض منه شيئا وجب التأخير لأن السلم يتعلق بذمة المسلم إليه فلا يبطل ببطلان الأجل كالدين والقول لمن دعا إلى التأخير إن لم يتراضيا بالمحاسبة وإلا عمل بها سواء كان رأي المال مثليا أو مقوما إذ لا يتهمان في المحاسبة على البيع والسلف لأن انقطاعه من الله تعالى وكذلك إذا كان الانقطاع لهروب أحدهما فإن التهمة أيضا منتفية أما لو سكت المشتري عن طلب البائع حتى ذهب الأبان فلا يجوز تراضيهما بالمحاسبة لإتهامهما على البيع والسلف وإذا رضيا بالمحاسبة فلا يجوز له أن يأخذ بقية رأس ماله عرضا ولا غيره لأنه بيع الطعام قبل قبضه أي إذا كان المسلم فيه طعاما كما هو الموضوع قاله الخرشي وغيره (الشرط السادس) وهو ما كان مشتركا بين المسلم فيه ورأس المال أن لا يكونا طعامين ولا نقدين لما في المدونة أن الطعام بالطام إلى أجل لا يصح كانا من صنف واحد أو من صنفين مختلفين كانا أو أحدهما مما يدخر أو لا يدخر أو مما يكال أو يوزن أو يعد وكذلك جميع التوابل واللحمان والحيتان وجميع الأدام والأشربة عدا # الماء ولا يجوز ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا أحدهما بالأخر نسا لا على الوجه الذي يجوز نقدا ولا على خلافه ولا الدنانير والدراهم في الفلوس (فان) قيل هذا الشرط غير مختص بالسلم بل يعم السلم وغيره كما تقدم في البيوع فلأي شيء ذكر هنا (أجيب) بأن ذكر الطعامين والنقدين هنا ليس مقصودا بالذات وإنما أصل الكلام أن يقال أن لا يؤدي السلم إلى شيء ممنوع وغير ذلك من العبارات كما في الحطاب وإلى هذا المعنى أشار الناظم بقوله (وشرط رأس المال أن لا يحلا ... في ذاك دفعه) أي وشرط رأس المال أن لا يمنع دفعه في المسلم فيه كما يشترط في المسلم فيه أن لا يمنع دفعه في رأس المال. وإنه لا يسلم شيء في أكثر منه أو أجود لأنه سلف بمنفعة ولا في أقل منه ولا أدنى لأنه ضمان بجعل إلا أن تختلف منافع الجنس الواحد فيجوز حينئذ سلمه في أكثر منه وفي أقل وفي أجود وفي أردأ لأن اختلاف المنافع يصير الجنس الواحد كالجنسين كالسبق في الخيل والحمل في الإبل والقوة على الحرث والعمل للبقر وكثرة اللبن في الغنم والكبر والصغر في الآدمي والغنم ورقيق القطن وغليظه ورقيق الكتان وغليظه وكذا الحرير والصوف كما في الحطاب (الشرط السابع) المختص برأس المال أن يكون كله مقبوضا خوفا من الدين بالدين وجاز تأخيره ثلاثة أيام ولو بشرط على المشهور وإليه أشار الناظم بقوله (وأن يعجلا ... وجاز إن أخر كاليومين) وأدخلت الكاف الثالث فإن كانت الزيادة أكثر من ثلاثة أيام وأن بلا شرط فسد العقد إذا كان رأس المال عينا فإن كان عرضا حاضرا جاز فيه التأخير أكثر من ثلاثة أيام بلا شرط وإليه أشار بقوله (والعرض فيه بخلاف العين) يعني أن العرض الحاضر يجوز تأخيره في السلم أكثر من ثلاثة أيام بلا شرط كما مر بخلاف رأس المال العين فإنه لا يجوز فيه ذلك كما علمت والله أعلم (ولما) فرغ من الكلام على بيع الذوات شرع يتكلم على بيع المنافع وهو أنواع كالبيع وبدأ بالكراء فقال

صفحة ١٤٤