787

تفسير العثيمين: آل عمران

الناشر

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

الإصدار

الثالثة

سنة النشر

١٤٣٥ هـ

مكان النشر

المملكة العربية السعودية

والآثام، فيسألون الله تعالى أن يغفر لهم هذه المعاصي والآثام، وإذا استغفر الإنسان ربَّه بنية صادقة وافتقار إليه فإن الله تعالى يغفر له، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. (مَنْ) اسم استفهام وليست اسم شرط، والدليل على أنها اسم استفهام لا اسم شرط أن الفعل بعدها وقع مرفوعًا ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ﴾. ثم إن أداة الإثبات جاءت بعدها وهي ﴿إِلَّا﴾، وعلى هذا نقول: (مَنْ) اسم استفهام بمعنى النفي. ويدل أنها بمعنى النفي إتيان الإثبات بعدها وهي ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾.
فإذا قال قائل: ما الفائدة من أن يأتي النفي بصيغة الاستفهام؟ فلماذا لم تكن الآية كما في حديث أبي بكر ﵁ الذي علَّمه النبي ﷺ حيث قال: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت" وهذه الآية جاءت بقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾؟ فنقول: لأن النفي بصيغة الاستفهام أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه إذا جاء النفي بصيغة الاستفهام صار مشربًا بالتحدي كأن المستفهم يقول: ائت لي بكذا وكذا، ائت لي بأحد يغفر الذنوب إلا الله ﷿، فيكون الاستفهام هنا دالًا على النفي مشربًا بالتحدي.
﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بالرفع مع أنه وقع بعد ﴿إِلَّا﴾ لأن الكلام مفرغ، والمفرغ: هو الذي لم يذكر فيه المستثنى منه. فإذا قلت: ما قام إلا زيد، فهنا الاستثناء مفرغ لم يذكر فيه المستثنى منه. وإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد، فهذا غير مفرغ؛ لأنه ذكر المستثنى منه. وإذا قلت: ما رأيت إلا زيدًا، مفرغ لأنه لم يذكر فيه المستثنى منه. وإذا قلت: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، فهذا غير مفرغ.

2 / 185