681

« يا جبريل ، لم سمى الله تعالى إبراهيم خليلا؟ قال لإطعامه الطعام يا محمد » ، وقيل سماه لأنه لا يتغذى وحده إلا إن مشى ميلا ليجد من يأكل معه ولم يجد ، وقيل لقوله لجبريل حين كان فى الهواء ملقى إلى النار : أما إليك فلا ، وقد قال : ألك حاجة وروى أنه أضافه كافر فشرط عليه الإيمان فولى ، فأوحى الله تعالى إليه إنى أطعمته سبعين سنة وهو يشرك بى ، أيترك دينه ودين آبائه للقمة ، فأدركه فأخبره ، فقال أو قد كان هذا ، إلهك أحق بأن يعبد ، فأسلم ، والنخله من الخلال ، فإنه ود تخلل النفس ، وخالطها ، قال A ، « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخال » ، بضم الياء وشد اللام ، أو من الخلل ، لأن كلا يسد خلل الآخر ، أو من الخل وهو الطريق فى الرمل ، لأنهما يتوافقان فى الطريق ، ومن الخلة بمعنى الفقر لأن كلا يفتقر إلى الآخر ، أو بمعنى الخصلة لأنهما يتوافقان فى الخصال ، وذلك فى حق الله بمعنى لازم المعنى اللغوى ، قال بعض النصارى ، إذا جاز إطلاق الخليل على معنى التشريف فلم لا يجوز إطلاق الابن فى حق عيسى على معنى التشريف ؟ الجواب أن النبوة تشعر بالجنسية ومشابهة المحدثان بخلاف الخلة ، وإن أوهمت الجنسية والمشابهة والحاجة فقد أزال ذلك بقوله :

{ ولله ما فى السموات وما فى الأرض } فإنه لا يتصور لمن ملك ذلك وأكثر منه مما لا يتناهى ، ولا شىء إلا هو مملوكه ، أن يجانس أو يشابه ، أو يحتاج ، فخلته محض فضل ، لا استكمالا بشىء كما يتخال الرجلان لاحتياج كل للآخر ، وإبراهيم ملكه تعالى ، فلا تخرجه الخلة عن العبودية لله D ، والمالك له أن يختار من ملكه خليلا ، ومن كان كذلك تجب طاعته واعتقاده كمال مجازاته على الأعمال ، ومن قدر على إيجاد الأجسام والأعراض فهو محيط بالأعمال ، قادر على الجزاء عليها كما قال { وكان الله بكل شىء محيطا } علما وقدرة ، وكيف لا يعلم ما هو خالق له ، وروى أن رسول الله A كان يعطى الابنة النصف والأخت الشقيقة والأبوين النصف بالوحى من الله جل وعلا فى غير القرآن ، فقال عينية بن حصين : أخبرنا أنك تعطى الابنة النصف والأخت والنصف وإنا كنا نورث من يشهد القتال ويجوز الغنيمة لا النساء والصبيان والضعفاء ، فقال A : بذلك أمرت ، فنزل قوله تعالى :

{ ويستفتونك } أى عيينة وجماعة من المسلمين ، وهكذا قل ، ولا تقل يستفتونك فيما للنساء ولا عليهن مطلقا ، ولعل هذا الاستفتاء لم يقع { فى النساء } أى فى توريثهن ، والمراد جنس النساء ، والاستفتاء متقدم على النزول ، فالمضارع للحال وقصد حكاية الحال الماضية ، أو هو لتكرر الاستفتاء بعد { قل الله يفتيكم } الإفتاء تبيين المهم لطالب البيان { فيهن } فى ميراثهن ، والمضارع للاستمرار فشمل ما مر أول السورة من ميراث الإناث وما أتى آخرها { وما يتلى عليكم فى الكتاب } القرآن ، عطف على لفظ الجلالة ، أو على المستتر فى يفتى لوجود الفعل ، أى يفتيكم الله ويفتيكم كتابه ، والمفتى حقيقة هو الله ، ولكن عطف عليه أو على ضميره ما هو من الأمور الدالة على أنه المفتى كقولك نفعنى زيد وعلمه ، وأغنانى الله وعطاؤه ، وقد يكون الإسناد حقيقة للمعطوف نحو أعجبنى زيد وكرمه ، ولكون المفتى حقيقة هو الله صح إفراد ضمير يفتى ، ولو عطف ما يتلى على لفظ الجلالة أو يراد بإفتاء الله ما أوحى فى غير القرآن وبإفتاء ما يتلى ما أفتاه الله فى القرآن ، أو مبتدأ وفى الكتاب خبره ، أى فى اللوح المحفوظ ، أو يقدر ويبين لكم ما يتلى ، أو الواو للقسم { فى يتامى النسآء } متعلق بيتلى ، وإن جعل ما يتلى مبتدأ فهو بدل من النساء ، بدل بعض والرابط النساء ، وضعا للظاهر موضع المضمر ، أى فى يتاماهن ، وفى هذا الوجه ضعف ، لأن عيينة لم يستفت فى خصوص اليتيمات ، وفى على ظاهرها ، وإن علقنا فى يتامى بيستفتى ففى للسببية لئلا يتعلق جاران بمعنى واحد فى فعل واحد بلا تبعية { التى لا تؤتونهن ما كتب لهن } من الميراث والصداق والنكاح ، وكانوا يمنعونهن منه وتبقونهن بلا تزويج لهن لغيركم ، طمعا فى إرث مالهن ، أو عن تزويجهن لغيركم لهذا الطمع ، أو فى أن تتزوجوهن لما لهن وجمالهن ، فكل من الرغبة عنهن ، والرغبة فيهن مراد على سبيل البدلية ، بحسب اقتضاء المقام وشهادة الحال لا على سبيل الشمول ، وإلا لزم استعمال الكلمة فى معنييها ، وليس ذلك إلباسا بل إجمالا ، وللعرب غرض فى الإجمال لا فى الإلباس ، واحتج الحنفية بالآية على جواز تزويج اليتيمة قبل البلوغ ، وكذا الصغيرة غير اليتيمة ، ويجوز أن يزوجها ولو غير أبيها وجدها ، وأجيب بأنه ليس فى الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء فى نكاح اليتيمة ، ولا يدل ذلك على الجواز ، لجواز أن يكون المراد أن تنكحوهن بإذن منهن إذا بلغن ، وعترض هذا بأنه خلاف ظاهر الآية ، وبأنه مجز لعلاقة الأول ، ولا دليل عليه ، فلا تحمل عليه ، أعنى بالأول أنه أراد تزوجهن إذا آل أمرهن ، إلى البلوغ ، لا مجاز الأول المشهور المتعاهد { والمستضعفين من الوالدان } عطف على يتامى ، وكانوا لا يورثون الأطفال ، ولا من لا يقاتل كما لا يورثون النساء { وأن تقوموا } عطف على يتامى ، وفى يتامى بدل فى النساء ، أو متعلق بيتلى ، فكأنه قيل فيهن فى يتامى النساء ، وفى أن تقوموا ، أو يتلى عليكم فى يتامى النساء ، وفى أن تقوموا ، أو عطف على هاء فيهن المضمرة المتصلة ، ولو بلا إعادة الجار ، لاطراد حذف الجار مع أن وأن ، عند أمن اللبس ، أو أن تقوموا لليتامى بالقسط خير لكم ، أو يقدر ويأمركم أن تقوموا { لليتامى بالقسط } والخطاب لمن يصلح للقيام بمنافع اليتامى فى أموالهم ، وأبدانهم ، ومؤنهم ، وسائر مصالحهم من الأئمة والأولياء والمحتسبين { وما تفعلوا من خير } فى اليتامى وغيرهم ، ودخل فى الخير ترك المحرمات لوجه الله كالزنى والربا { فإن الله كان به عليما } فهو مجازيكم عليه إن لم تبطلوه .

صفحة ١٨٢