680

125

{ ومن أحس دينا } نفى للمساواة والزيادة { ممن أسلم وجهه } أخضعه وأخلصه ، أى ذاته كلهما ، وعبر بالوجه لأنه أعز الأعضاء الظاهرة { لله } لا يعتقد أن له ربا سواه ولا ربا معه ، أو المراد نفس الوجه ، بأن سجد له خاصة رثاء ولا سمعة ، ودين الإسلام مبنى على الاعتقاد لربوبية الله وألوهيته ، وقصده إياه بالأعمال ، وعدم تعلق قلبه بغيره ، كما قال : أسلم وجهه ، وعلى الأعمال كما قال { وهو محسن } بإتيانه بالأوامر وانتهائه عن النواهى ، وفى الحديث الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وذلك منتهى قوة البشر ، إذ جمع الاعتقاد والعمل ، وقيل هو محسن بالتوحيد ، فيكون معنى أسلم وجهه أخلص عمله { واتبع ملة إبراهيم } هذا إما نفس إسلام الوجه والإحسان ، كأنه قيل وهو فى ذلك متبع لملة إبراهيم ، لو تحقق إسلام وجهه وإحسانه باتباع ملته ، وإما اشتراط لأن شرائع الأنبياء مختلفة ، كلها مقبولة ، وأفضل ملة إبراهيم وأحسنها ما كان جامعا لإسلام الوجه والإحسان ، وهو ابتاع ملته ولا غيرها مع شرائع الأنبياء ، وقد جمع ذلك كله دين سيدنا محمد A فالواجب على أهل الملل كلهم أن يقبلوه كما قبلوا كلهم إبراهيم وارتضوه ، إلا أن منهم جاهلا ، ومنهم حاسدا كاتما ، وكان مشركو العرب لا يفتخرون بشىء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم { حنيفا } مائلا عن غير دين الإسلام إلى الإسلام { واتخذ الله إبراهيم خليلا } اصطفاه بكرامة ، ككرامة الخليل ، والواو للحال ، أى وقد اتخذ إلخ ، وصاحب الحال ضمير اتبع وقيل عطف على من أحسن ، ولا بعد فى العطف عليه لأن المراد مدح من حاز هذه الخصلة ، وهى أنه ابتع إبراهيم الذى هو خليل الله D ، وأظهر فى موضع الإضمار للتفخيم ، وسبب تلقيبه خليلا أنه هبط إليه ملك فى صورة رجل ، وذكر اسم الله بصوت رخيم شحى ، فقال اذكره مرة أخرى ، فقال لا أذكره مجانا ، فقال : لك مالى كله ، فذكره بصوت أشجى من الأول ، فقال اذكره مرة ثالثة ولك أولادى ، فقال أبشر فإنى ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك ، والمقصود امتحانك ، وروى أن جبريل والملائكة دخلوا على إبراهيم عليه السلام فى صورة غلمان حسان الوجوه ، فظنهم أضيافا ، فذبح عجلا سمينا ، وقال لهم كلوا على شرط أن تسموا الله أوله وتحمدوه آخره ، فقال جبريل : أنت خليل الله ، وروى أنه بعث إلى خليل له بمصر فى جوع أصاب الناس ليمتار منه ، فقال لو كان يريد لنفسه لفعلت ، ولكن يريد للأضياف ، وقد أصابنا ما أصاب الناس ، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملأوا الغرائر حياء من الناس ، فلما أخبروا إبراهيم ساءه الخير ، فغلبته عيناه ، فنام ، وقامت سارة إلى غرارة فأخرجت حوارى واختبزت ، فاستيقظ واستم رائحة الخبز ، فقال من أين لكم هذا ، فقالت ، من خليلك المصرى ، فقال : بل من عند خليل الله ، فسماه الله خليلا ، وقيل سماه الله خليلا لأنه لا يعارضه شىء لغيره إلا اختار ما لله D ، وقيل لأنه يفعل ما يفعل الله D ، أحسن إلى الكافر والمؤمن وأطمعهما ، وفى البيهقى عن ابن عمر أنه A قال :

صفحة ١٨١