508

ولكن يقول لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغه، وكذلك نقل المروزي عنه أنه قال: كيف تجوز للرجل أن يقول اجمعوا، إذا سمعتهم يقولون: اجمعوا فاتهمهم، ولو قال إنني لم أعلم مخالفا جاز، وكذا نقل عنه أبو طالب أنه قال: إن هذا كذب ما علمنا أن الناس مجمعون، ولكن نقول لا أعلم فيه اختلافا، فهو أحسن من قوله: أجمع الناس، وكذلك نقل عنه أبو الحارث لا ينبغي لأحد يدعي الإجماع، لعل الناس اختلفوا، وهذه النقول معروفة عن أحمد، ذكرها الخلال وغيره من أصحابه بأسانيدهم الثابتة عنه.

كما ذكر الخلال في ((كتاب العلم)): الذي ذكر فيه أصول الفقه المنقولة عن أحمد، وذكرها القاضي أبو يعلى، وغيره من أصحاب أحمد، وهذا القول حق سواء قاله أحمد، أو غيره، ومن ادعى بالإجماع في مثل هذه الأمور الخفية التي لا يمكن النقل فيها عن عشرين نفسا من التابعين، فضلا عن الصحابة لم يمكنه أن يقول إلا: إني لا أعلم منازعا. انتهى.

فقد وضح بهذه النقول الموافقة للعقول أن الأمام أحمد لم ينكر حجية الإجماع، بل أنكر دعوى عدم النزاع، ومد الباع، وبسط الذراع في نقل الإجماع.

فمن نسب إليه إنكار الحجية فليبك على نفسه شوكانيا كان أو غيره، وليعلم أنه وقعت منه هذه النسبة الغير المرضية لقصور فهمه، وعدم بلوغه إلى الدرر البهية.

وكيف يسلم من له أدنى تمييز فضلا عمن وهب له علم غريز(1)، صحة قول الشوكاني، ونقله المبني على قصور نظره وفهمه، ومخالفته لثلة من الأولين من تلامذة أحمد ومقلديه الأكملين، وجماعة من أصحاب المذاهب المعتبرة الناقدين.

صفحة ٥٣٦