542

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

لَكِنَّ أُبا حُذَيْفَةً لَمْ يَهْتَدِ إِلَى وَالِدِ سَالِمٍ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كَثْرَةِ الْبَحْثِ وَالتَّنْقِيبِ، ذَلِكَ لِأَنَّ سَالِماً سُبِيَ(١) صَغِيراً، وَجُلِبَ إِلَى مَكّةَ، وَبِيعَ فِي سُوقِ النَّخَّاسِينَ(٢) وَهُوَ فِي سِنٍّ لَا تُمَكِّنُهُ مِنْ أَنْ يَعْرِفَ لِنَفْسِهِ أَباً أَوْ أُمَّا.

فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ اسْمَ ((سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ)) . وَظَلَّ يُعْرَفُ بِذَلِكَ مَا امْتَدَّتْ بِهِ الحَيَاةُ.

***

غَيْرَ أَنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَسَالِمٍ لَمْ تَكُنْ عَلَاقَةَ مَوْلًى(٣) بِمَوْلَاهُ... وَإِنَّمَا هِيَ عَلَاقَةُ أَخٍ بِأَخِيهِ بَعْدَ أَنْ وَحَّدَ الإِسْلَامُ بَيْنَ قَلْبَيْهِمَا، وَآخَى الإِيمَانُ بَيْنَ نَفْسَيْهِمَا... وَغَمَرَ فُؤَادَيْهِمَا(٤) حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

وَقَدْ أَرَادَ أَبُو حُذَيْفَةَ أَنْ تَزِيدَ صِلَتُهُ بِسَالِمٍ رُسُوخاً(٥) وَعُمْقاً، وَأَنْ يَقْضِيَ عَلَى كُلِّ أَثَرٍ مِنْ آثَارِ العَصَبِيَّاتِ(٦) الجَاهِلِيَّةِ الَّتِي وَأَدَهَا الإِسْلَامُ...

فَزَوَّجَ سَالِماً مِن ابْنَةِ أَخِيهِ الْقُرَشِيَّةِ ((العَبْشَمِيَّةِ))(٧) ذَاتِ الحَسَبِ وَالنَّسَبِ...

فَأَصْبَحَ أَخَاً لَهُ فِي اللَّهِ، وَوَاحِداً مِنْ ذَوِي قُرْبَاهُ...

***

لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ طَوِيلُ وَقْتٍ حَتَّى فُرِّقَتْ بَيْنَ الأَخَوَيْنِ الأَحْدَاثُ.

(١) سُبِيَ: أُسِرَ واُشْتُرِيَ.

(٢) النخاسون: بائعو العبيد، والمفرد نخاس.

(٣) علاقة مَوْلًى بمولاه: علاقة العبد بسيده.

(٤) غمر فؤاديهما: ملأ فؤاديهما.

(٥) رسوخاً: ثباتاً.

(٦) العصبيات: شدة ارتباط المرء بجماعته وانحيازه لها.

(٧) العبشمية: المنسوبة إلى عبد شمس.

550