455

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

بَيْدَ(١) أَنَّ قُرَيْشاً لَمْ تَنْفُضْ يَدَهَا مِنْ أَمْرِ العُثُورِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَنثْنِ(٢) عَزْمُهَا عَنْ مُلَاحَقَتِهِ؛ فَأَعْلَنَتْ فِي القَبَائِلِ المُنْتَشِرَةِ عَلَى طُولِ الطَّرِيقِ بَيْنَ مَكَّةً والمَدِينَةِ : أَنَّ مَنْ يَأْتِيهَا بِمُحَمَّدٍ حَيًّا أَوْ مَيِّتاً فَلَهُ مِائَةً مِنْ كَرَائِمِ الإِبِلِ.

***

كَانَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ المَدْلَجِيُّ فِي نَدِيٍّ(٣) مِنْ أَنْدِيَةِ قَوْمِهِ فِي ((قُدَيْدٍ)) قَرِيباً مِنْ مَكَّةً.

فَإِذَا بِرَسُولٍ مِنْ رُسُلٍ قُرَيْشٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، وَيُذِيعُ فِيهِمْ نَبَأَ الجَائِزَةِ الكُبْرَى الَّتِي بَذَلَتْهَا قُرَيْشٌ لِمَنْ يَأْتِيهَا بِمُحَمَّدٍ حَيًّا أَوْ مَيِّتاً.

فَمَا كَادَ سُرَاقَةُ يَسْمَعُ بِالنُّوقِ المِائَةِ حَتَّى اشْرَأَبَّتْ(٤) إِلَيْهَا أَطْمَاعُهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا حِرْصُهُ ... وَلَكِنَّهُ ضَبَطَ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَفه بِكْلِمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ حَتَّى لَا تَتَحَرَّكَ أَطْمَاعُ الآخَرِينَ.

وَقَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ سُرَاقَةُ مِنْ مَجْلِسِهِ دَخَلَ عَلَى النَّدِيِّ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ مَرَّ بِيِ الآنَّ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُمْ مُحَمَّداً وَأَبَا بَكْرٍ وَدَلِيلَهُمَا.

فَقَالَ سُرَاقَةُ: بَلْ هُمْ بَنُو فُلَانٍ مَضَوْا يَبْحَثُونَ عَنْ نَاقَةٍ لَهُمْ أَضَلُّوهَا(٥). فَقَالَ الرَّجُلُ: لَعَلَّهُمْ كَذَلِكَ، وَسَكَتَ ...

ثُمَّ مَكّثَ سُرَاقَةُ قَلِيلاً حَتَّى لَا يُثِيرَ قِيَامُهُ أَحَداً مِمَّنْ فِي النَّدِيِّ ...

فَلَمَّا دَخَلَ القَوْمُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ انْسَلَّ(٦) مِنْ بَيْنِهِمْ، وَمَضَّى حَثِيثاً

(١) بَيْدَ أن: إِلَّا أنَّ

(٢) لَمْ يَنثْنِ: لَمْ نَتْرَاجَعْ ولَمْ يرتدً.

(٣) النَّدِيّ: مكان اجتماع القوم.

(٤) اشْرَأَبَّتْ: تَطَلَّعَتْ.

(٥) أضلوها: أضاعوها.

(٦) انْسَلَّ: انْسَحَبَ برفق وحِذْقٍ.

462