444

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

ثُمَّ اسْتَلْقَى عَلَى فِرَاشِهِ الوَثِيرِ(١) يُرِيدُ النَّوْمَ.

لَكِنَّ النَّوْمَ لَمْ يُوَاتِ(٢) خَالِداً وَلَمْ تَكْتَحِلْ بِهِ عَيْنَاهُ؛ فَقَدْ اسْتَبَدَّ بِهِ أَرَقٌ أَطَارَ الرُّقَادَ مِنْ عَيْنَيْهِ.

وَكَانَ الَّذِي يَشْغَلُ بَالَهُ أَمْرَ مُحَمَّدٍ، وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ؛ وَخَوْفُهُ مِنْ أَنْ يَبْطِشَ أَبُوهُ بِهِ بَطْشَةَ الجَبَّارِينَ.

***

وَفِي الهَزِيعِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ نَهَكَهُ النُّعَاسُ فَأَسْلَمَ جَفْنَتَيْهِ لِلْكَرَى(٣).

وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى هَبَّ مَذْعُوراً مُمتَقِعَ(٤) الوَجْهِ؛ يَرْتَجِفُ مِنْ هَوْلٍ مَا رَأَى ... وَيهْتَزُّ مِنْ فَرْطِ مَا عَانَى وَهُوَ يَقُولُ:

أَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا لَرُؤْيَا حَقٌّ ... وَإِنِّي مَا رَأَيْتُ كَذِباً.

***

لَقَدْ رَأَى خَالِدٌ نَفْسَهُ وَاقِفاً عَلَى شَفِيرٍ(٥) وَادٍ سَحِيقٍ(٦) مِنْ أَوْدِيَةِ جَهَنَّمَ لَا يُدْرِكُ الطَّرْفُ مَدَاهُ، وَلَا يَعْرِفُ المَرْءُ قَرَارَهُ ...

وَكَانَتْ تَتَلَظَّى(٧) فِي هَذَا الوَادِي نَارٌ لَهَا شَهِيقٌ وَزَفِيرٌ يَخْلَعَانِ القُلُوبَ خَلْعاً ... وَيَهْصِرَانِ النُّفُوسَ هصْراً(٨).

فَلَمَّا هَمَّ بِالابتِعَادِ عَنْ شَفِيرِ الوَادِي بَرَزَ لَهُ أَبُوهُ، وَأَخَذَ يَشُدُّهُ إِلَى النَّارِ بِعُنْفٍ؛ فَجَعَلَ يُقَاوِمُ أَبَاهُ أَشَدَّ المُقَاوَمَةِ ...

(١) الفراش الوثير: اللين المريح.

(٢) لم يُوَاتِ: لم يأت.

(٣) الكَرَى: النوم.

(٤) مُنْتَقِع الوجه: متغير اللون مفزوع.

(٥) شَفِيرٍ: حافة.

(٦) سَحِيقٍ: عميق بعيد الغور.

(٧) تَتَلَظَّى: تلتهب.

(٨) عَصْراً: يعصرها عصراً.

451