427

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

فَلَمَّا رَأَى ((المُهَاجِرُ)) أَخُو الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ القَتْلَ قَدْ كَثُرَ فِي صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَشْرِيَ(١) نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَتَحَنَّطَ(٢) وَتَكَفَّنَ وَأَوْصَى أَخَاهُ ...

فَمَضَى الرَّبِيعُ إِلَى أَبِي مُوسَى وَقَالَ: إِنَّ ((المُهَاجِرَ)) قَدْ أَزْمَعَ أَنْ يَشْرِيَ نَفْسَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَالْمُسْلِمُونَ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَطْأَةِ الحَرْبِ، وَشِدَّةِ الصَّوْمِ مَا أَوْهَنَ(٣) عَزَائِمَهُمْ، وَهُمْ يَأْتُونَ الإِفْطَارَ فَافْعَلْ مَا تَرَى.

فَوَقَفَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، وَنَادَى فِي الجَيْشِ:

يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، عَزَمْتُ(٤) عَلَى كُلِّ صَائِمٍ أَنْ يُفْطِرَ؛ أَوْ يَكُفَّ عَنِ القِتَالِ ... وَشَرِبَ مِنْ إِبْرِيقٍ كَانَ مَعَهُ لِيَشْرَبَ النَّاسُ بِشُرْبِهِ.

فَلَمَّا سَمِعَ ((المُهَاجِرُ)) مَقَالَتَهُ جَرَعَ جُرْعَةً مِنَ المَاءِ وَقَالَ:

وَاللَّهِ مَا شَرِبْتُهَا مِنْ عَطَشٍ وَلَكِنَّنِي أَبْرَرْتُ عَزْمَةً أَمِيرِي(٥) ...

ثُمَّ امْتَشَقَ حُسَامَهُ وَطَفِقَ يَشُقُّ بِهِ الصَّفُوفَ، وَيُجَنْدِلُ(٦) الرِّجَالَ غَيْرَ وَجِلٍ وَلَا هَيَابٍ.

فَلَمَّا أَوْغَلَ فِي جَيْشِ الأَعْدَاءِ أَطْبَقُوا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَتَعَاوَرَتْهُ(٧) سُيُوفُهُمْ مِنْ أَمَامِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ حَتَّى خَرَّ صَرِيعاً ...

ثُمَّ إِنَّهُمْ احْتَزُّوا رَأْسَهُ وَنَصَبُوهُ عَلَى شُرْفَةٍ مُطِلَّةٍ عَلَى سَاحَةِ القِتَالِ.

فَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّبِيعُ، وَقَالَ: طُوبَى(٨) لَكَ، وَحُسْنُ مَآبٍ ...

(١) يشري نَفْسَه: يبيع نَفْسَه.

(٢) تَحَنَّطَ: وضع عَلَى نَفْسِه الحنوط، وهو نوع من الطيب يُذَرُّ عَلَى جَسَدِ الميت.

(٣) أَوْهَنَ: أضعف.

(٤) عَزَمْتُ: أقسمت.

(٥) أَبْرَرْتُ عَزْمَةَ أَمِيرِي: أمضيت قَسَمَ أَمِيرِي ونفَّذْتُه.

(٦) يُجَنْدِلُ: يَصْرَع.

(٧) تَعَاوَرَتْهُ سُيُوفُهُمْ: تَدَاوَلَتْهُ سُيُوفُهُمْ.

(٨) طُوبَى لَكَ: السَّعَادَةُ والغِبْطَةُ والعَيْشُ الطَّيِّبُ لَكَ.

434

صور من حياة الصحابة | أصول