364

صور من حياة الصحابة

الناشر

دار الأدب الاسلامي

الإصدار

الأولى

أَسِيرُ مَعَهُ أَيْنَمَا سَارَ، وَأَدُورُ فِي فَلَكِهِ كَيْفَمَا دَارَ.

فَمَا رَمَى بِطَرْفِهِ(١) مَرَّةً نَحْوِي إِلَّا مَثُلْتُ(٢) وَاقِفاً بَيْنَ يَدَيْهِ.

وَمَا تَشَوَّفَ(٣) لِحَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ إِلَّا وَجَدَنِي مُسرِعاً فِي قَضَائِهَا.

وَكُنْتُ أَخْدِمُهُ نَهَارَهُ كُلَّهُ، فَإِذَا انْقَضَى النَّهَارُ وَصَلَّى العِشَاءَ الأَخِيرَةَ وَأَوَى إِلَى بَيْتِهِ؛ أَهِمُّ بِالإِنْصِرَافِ.

لَكِنِّي مَا أَلْبَثُ أَنْ أَقُولَ فِي نَفْسِي: إِلَى أَيْنَ تَمْضِي يَا رَبِيعَةُ؟! ...

فَلَعَلَّهَا تَعْرِضُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَةٌ فِي اللَّيْلِ.

فَأَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ وَلَا أَتَحَوَّلُ عَنْ عَتَبَةِ بَيْتِهِ.

وقدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَعُ لَيْلَهُ قَائِماً يُصَلِّي؛ فَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ(٤)؛ فَمَا يَزَالُ يُكَرِّرُهَا هَزِيعاً(٥) مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى أَمَلَّ فَأَتْرُكَهُ، أَوْ تَغْلِي عَيْنَايَ فَأَنَامَ.

وَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) فَمَا يَزَالُ يُرَدِّدُهَا زَمَناً أَطْوَلَ مِنْ تَرْدِيدِهِ لِفَاتِحَةِ الكِتَابِ.

وقدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَا صَنَعَ لَهُ أَحَدٌ مَعْرُوفاً إِلَّا أَحَبَّ أَنْ يُجَازِيَهُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَجَلُّ مِنْهُ.

وقدْ أَحَبَّ أَنْ يُجَازِيَنِي عَلَى خِدْمَتِي لَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ:

(يَا رَبِيعَةُ بْنَ كَعْبٍ).

(١) رَمَى بطرفه: نظر بطرف عينيه.

(٢) مَثُلْتُ واقفاً: بادَرْتُ واقفاً.

(٣) تَشَوَّفَ لحاجة: تَطَلَّعَ لحاجة.

(٤) فاتحة الكتاب: سورة الحمد.

(٥) الهزيع من الليل: الشطر من الليل، ثلثه أو نصفه أو جزء منه.

370