ثُمَّ قَالَ لِي: اخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ النَّسَبِ وَالشِّعْرِ وَغَرِيبِ كَلاَمِ العَرَبِ فَلْيَدْخُلْ. فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَأُوا البَيْتَ وَالحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ.
قَالَ رَاوِي الخَبْرِ: فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشاً فَخَرَتْ بِذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ لَهَا فَخْراً.
***
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى أَنْ يُوَزِّعَ العُلُومَ عَلَى الأَيَّامِ حَتَّى لَا يَحْدُثَ عَلَى بَابِهِ مِثْلُ ذَلِكَ الزِّحَامِ...
فَصَارَ يَجْلِسُ فِي الأُسْبُوعِ يَوْماً لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا التَّفْسِيرُ.
وَيَوْماً لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا الْفِقْهُ.
وَيَوْماً لَا تُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا المَغَازِي(١).
وَيَوْماً لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا الشِّعْرُ.
وَيَوْماً لَا تُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا أَيَّامُ العَرَبِ.
وَمَا جَلَسَ إِلَيْهِ عَالِمٌ قَطُّ إِلَّا خَضَعَ لَهُ... وَمَا سَأَلَهُ سَائِلٌ قَطُّ إِلَّا وَجَدَ عِنْدَهُ عِلْماً.
***
وَقَدْ غَدَا ابْنُ عَبَّاسٍ، بِفَضْلِ عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ، مُسْتَشَاراً لِلْخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ.
فَكَانَ إِذَا عَرَضَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَمْرٌ أَوْ وَاجَهَتْهُ مُعْضِلَةٌ(٢) دَعَا جِلَّةَ(٣)
(١) المغازي: غزوات رَسُول اللَّه ﷺ.
(٢) المعضلة: المشكلة الصعبة.
(٣) جِلَّة الصحابة: شيوخ الصحابة ومتقدموهم.
186