خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان
.. والخوف والرجاء متلازمان، فكل منهما يستلزم الآخر، فكل خائف راج، وكل راج خائف، كما قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله – وقال: ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يسحن فيه وقوع الخوف، قال الله – ﵎ –: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ نوح١٣، قال كثير من المفسرين المعنى: ما لكم لا تخافون الله عظمة؟ قال: والرجاء بمعنى الخوف، والتحقيق: أنه ملازم له، فكل راج خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط، وقال – ﵎ –: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ الجاثية١٤، قالوا في تفسيرها: لا يخافون وقائع الله بهم، كوقائعه بمن قبلهم من الأمم (١) .
(١) انظر مدارج السالكين: (٢/٥١)، وانظر النص على تلازمهما في المفردات: (١٩٠) – كتاب الراء – والإحياء: (٤/١٦٠)، وقد قرر أئمة اللغة أن لفظ الرجاء من الأضداد يستعمل في الأمل، كما يستعمل في الخوف والوجل، انظر الأضداد للأصمعي: (٢٣)، وللسيجستاني: (٨١) ولابن السكيت: (١٧٩) وذيل الأضداد للصفاني: (٢٣٠) ومن مجيئه بمعنى الأمل قول الله – ﷿ –: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ الإسراء٥٧، وقوله – جل وعلا –: في نفس السورة: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ الإسراء٢٨، وقوله – ﷿ – في سورة القصص: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾ القصص٨٦، ومنه قول كعب بن زهير – رضي الله تعالى عنه – في قصيدة "بانت سعاد": ضمن مجموع مهمات المتون: (٧٨):
أرجو وآمُلُ أنْ تدنو مودتها ... وما إخالُ لدينا منك تَنْويلُ
قال السيجستاني في الأضداد: (٨٠) أراد الطمع ١٠هـ ومنه ما في تفسير القرطبي: (٣/١٨) قال الشاعر:
أترجو أمة قَتَلَتْ حُسَيْنا ... شفاعة جدّه ﷺ يومَ الحساب
ومن مجيئه بمعنى الخوف والوجل الآيتان المتقدمان في كلام الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى، وقد نص على كون الرجاء في الآية الأولى بمعنى الخوف الأصمعي في الأضداد: (٢٣)، والسيجستاني في الأضداد: (٨١)، وابن السكيت في الأضداد أيضًا: (٧٩)، وفي تلك الكتب الثلاثة ومعاني القرآن للفراء: (٢/٢٦٥)، واللفظ له: وأنشدني بعضهم:
لا تَرْتجي حين تلاقي الذائدا ... أسبعة لاقتْ معًا أم واحدا
أي: لا تخاف ولا تبالي ١٠هـ والذائد هو المحامي المدافع، والبيت غير منسوب في الجميع، قال الفراء: وهي لغة تهامية يضعون الرجاء في موضع الخوف، إذا كان معه جحد، وفي الإتقان: (٢/١١١) نقلًا عن السهيلي: إنها لغة هذيل: وفي الأضداد للسيجستاني: إنها لغة هذيل، وكنانة، ونصر، وخزاعة، وفي الأضداد للأصمعي: (٢٤)، وابن السكيت: (١٧٩)، قال يونس:
إذا أهل الكرام يكرموني ... فلا أرجو الهَوَان من اللئام
وانظر شواهد أخرى فيما تقدم، وفي اللسان: (١٩/٢٣-٢٤) "رجا" ومجاز القرآن: (٢/٧٣)، ومن احتمال لفظ لرجاء للوجل والأمل قول الله – جل وعلا – في سورة الفرقان: (٢١) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ الفرقان٢١، كما في تفسير القرطبي: (١٨/١٩)، ونقل عنه ذلك شيخنا في الأضواء: (٦/٣٠٣-٣٠٤)، وأقره ومنه قول الله – جل وعلا – في سورة النساء: ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ النساء١٠٤ كما في روح المعاني: (٥/١٣٨) .
3 / 7