شرح طلعة الشمس على الألفية
ومن أحكامهما أنه لا يصح للحائض ولا النفساء أن تدخل المسجد قياسا على منع الجنب من دخوله، وذلك معنى قوله تعالى: { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } (النساء: 43)، واختلفوا في جواز قضاء الجنب حاجته من المسجد من غير أن يدخل المسجد لكن يمد يده إلى ذلك، فكره بعضهم ذلك؛ لثبوت منعه من دخوله، ولأن دخول يده فيه؛ دخول فيه، في بعض ما قيل: إنه لو حلفت لا تدخل بيتا، فأدخلت يدها فيه، أنها قد دخلته، ولم ير أبو المؤثر بذلك بأسا، وكأنه لم يعد دخول اليد في المسجد دخولا فيه، واشترط بعضهم أن لا يمس بدنه جدار المسجد.
ومن أحكامهما أنه لا يصح للحائض والنفساء قراءة القرآن، وكذلك الجنب، ورخص أبو المؤثر في قراءتها القرآن من غير أن يتحرك بها لسانها، وكأنه لم ير ذلك قراءة، فهو يشترط في القراءة تحرك اللسان بها، وهو الظاهر؛ لأن ماعدا ذلك يكون تكييفا لا قراءة، ولا تجزئ الصلاة به، فلا يعطى أحكام القراءة، وقال جابر بن زيد: "الحائض لا تتم الآية"، وقال أبو سعيد: "معي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أنه لا تقرأ الحائض والجنب القرآن، لا لمعنى الضرورة أو سبب يوجب ذلك"، قال: "ومعي أنه قد أتى ما يشبه هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إلا الآية والآيتين يتعوذ بهما""، وكذلك لا تمس الحائض ولا النفساء ولا الجنب المصحف لقوله تعالى: { لا يمسه إلا المطهرون } (الواقعة: 79)، ورخص أبو المؤثر للجنب والحائض في حمل المصحف بسيره، وكأنه لم ير ذلك مسا له وهو ظاهر، وإنما منعت الحائض والنفساء من دخول المسجد وقراءة القرآن ومس المصحف؛ لأن الطهارة من الحيض والنفاس شرط لجواز كل واحد من هذه الأشياء، أما دخولها المسجد فمقيس على الجنب كما مر، وأما قراءة القرآن؛ فلأنه لما ثبت بنص الكتاب منع مس المصحف إلا المطهرين، وكان استحقاق المصحف لذلك لكون القرآن مكتوبا فيه، كان منع غير المطهر من القراءة أولى مع ما مر من الحديث الذي نقله الإمام أبو سعيد رضوان الله عليه، والله أعلم، ثم قال:
ومرض الجسم به يحط ما ... من العبادات مشقا عليما
وقد يكون سببا للتلف ... فيوجب الحجر عن التصرف
فبيعه رد كذاك هبته ... وجوزت من ثلثه وصيته
صفحة ٢٥٣