524

اعلم أنه لما ذكر أن أهمية التكليف هي صحة البدن وقوة العقل، وأن ذلك لا يكون إلا في البالغ، احتاج إلى ان يبين التكليف المشروط بتلك الأهلية، فذكر أن ذلك التكليف هو إلزام العبد ماله وما عليه فعلا واعتقادا، أما ما عدا ذلك من الأحكام فقد تكون لغير البالغ الصحيح، فالصبي قبل البلوغ يعطى أحكاما هو لها أهل، منها ما يكون له وهو في بطن أمه، وذلك ان الوصية له وهو في بطن أمه ثابتة له، ويثبت له نسبة، فيلحق بأبيه، ويثبت له الميراث ممن يرثه، فيوقف له المال حتى يعلم أنه ذكر أم أنثى، ثم يقسم بعد ذلك، فجميع هذه الأحكام ثابتة للطفل وهو في بطن أمه، ولا يجب عليه شيء ما دام في بطنها، حتى إذا انفصل من بطنها توجهت إليه أحكام أخر، منها فطرة الأبدان، وزكاة المال، وما يضطر إليه من الأقوات، ونفقة من يلزمه عوله من الأقارب والمماليك والزوجات، ويثبت له الشراء والتزويج بعقد الولي له ذلك على مذهب من أجاز تزويج الصبي، فيخرج الولي من مال الصبي ما على الصبي في ماله، وإن كان له وصي من قبل أبيه؛ فيخرجه الوصي على وفق الشرع، وما على الصبي قبل بلوغه شيء من العبادات البدنية والاعتقادية، لكن يؤمر الولي بتمرينه على فعل الطاعات، وتعليمه معالم الإسلام؛ فيعلمه الصلاة، وهو ابن سبع، ويضربه على تركها، وهو ابن عشر، وكذا يعلمه ما يحتاج إليه من أمور دينه ودنياه، فلو ترك الصبي الصلاة والصوم أو الحج أو نحو ذلك من العبادات البدنية لم يصح أن يوصف بالفسق، لو كان بمنزلة من الفطانة والنباهة، وكذلك لا يصح أن يوصف بالشرك إذا أهمل الاعتقاد في توحيد الله تعالى؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، ومن لم

يكن كذلك فلا يوصف بأنه مشرك، نعم قد تجري عليه أحكام المشركين بسبيل التبعية لأبويه أو لحكم الدار، فيسبى في الغنائم، ويقتل إن قاتل في حال الحرب، فإذا بلغ الصبي الحلم صار أهلا لأداء العبادات الاعتقادية والفعلية، ولزمه أداء ما وجب عليه، وترك ما نهي عنه اعتقادا وفعلا، وجرت عليه بعد ذلك أحكام الحال الذي يكون عليه من إسلام وكفر، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان العوارض العارضة على الأهلية، فقال:

ذكر العوارض التي تعتري الأهلية

وتعتري أهلية الأداء ... عوارض جاءت من السماء

وهي الجنون عته وصغر ... رق ونسيان ونوم يخطر

والحيض والنفاس موت مرض ... وهكذا الإغماء حين يعرض

وسفه وسفر مع هزل ... وبعضها مكتسب كالجهل

والسكر والخطاء والجبر وقد ... أتى لكل واحد حكم يعد

اعلم أن الأهلية نوعان: أهلية وجوب وأهلية أداء.

صفحة ٢٤٧

شرح طلعة الشمس على الألفية | أصول