521

من حقوق الله فروع العبادات، وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد ووضائفها، وإنما سميت هذه العبادات فروعا لأن صحتها مبنية على حصول الإيمان، فلا صلاة لمن لا إيمان له، وهكذا البواقي فكان الإيمان أصلا لها، ومنها عبادة فيها مؤنة، كصاع الفطر فإن جهات العبادة فيها كثيرة، مثل: تسميتها صدقة، وكونها طهارة للصائم، واشتراط النية في أدائها، ونحو ذلك مما هو من أمارات العبادة، ولما فيها من معنى المؤنة لم يشترط لها كمال الأهلية المشروطة في العبادات، فوجبت في مال الصبي والمجنون الغنيين اعتبارا لجانب المؤنةن ومنها مؤنة فيها عبادة، كما في العشر، والمراد به زكاه أرض المسلم، ولكونه عبادة لا يؤخذ ابتداء من الذمي، ومنها مؤنة فيها عقوبة كالخراج، والمراد به ما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية، وغيرها مما يصطلحون عليه من المسلمين، ومنها حقوق دائرة بين العبادة والعقوبة، وهي الكفلفير

فإن في أدائها معنى العبادة؛ لأنها تؤدى بما هو محض العبادة، وهو الصوم والتحرير والإطعام، وتجب بطريق الفتوى، ويأمر من هي عليه بالأداء بنفسه من غير أن يستوفي منه كرها، والشرع لم يفوض إلى المكلف إقامة الشيء من العقوبات على نفسه، بل جعل ذلك إلى الأئمة يستوفونه بطريق الجبر، وفي وجوبها معنى العقوبة؛ لأنها لم تجب لإجزاء الفعل المحظور الذي يوجد من العباد، ولذا سميت كفارات؛ لأنها ستارات للذنوب، فلم تجب الكفارات على المسبب كحافر البئر؛ لأن الكفارة جزاء المباشر لا التسبب، ولا على الصبي؛ لأن فعله من حيث هو فعله لا يوجب الجزاء؛ لأنه لا يوصف بالتقصير، ومنها حق قائم بنفسه، أي ثابت بذاته من غير أن يتعلق بذمة عبد يؤديه بطريق الطاعة كخمس الغنائم والمعادن، فإن الجهاد حق الله تعالى إعزازا لدينه وإعلاء لكلمته، فالمصاب به كله حق الله تعالى إلا أنه جعل أربعة أخماسه للغانمين امتنانا، واستبقى الخمس حقا لاحقا له لزمنا أداؤه

طاعة وكذا المعادن، ومنها ما هو محض عقوبة، وهو نوعان: كامل وناقص.

- فالكامل منه: ما وقع في نفس الجاني، كحد قاطع الطريق وحد الزاني والسارق وشارب الخمر، فإن هذه الحدود كلها حقوق الله تعالى، وهي محض عقوبة للجاني، ولونها حقا خالصا لله تعالى لا تسقط بالعفو عنها من العباد، ولكونها عقوبة لا يليها إلا الإمام أو من يقوم مقامه.

- وأما النوع الناقص: فهو ما حل في مال الجاني دون بدنه، كحرمان القاتل الميراث، فإن حرمانه حق لله تعالى، فلا يصح لأحد توريثه، ولكونه بمنزلة الغرم، صار عقوبة للجاني، ورادعا من تعجيل الميراث بالقتل، والله أعلم.

صفحة ٢٤٤