شرح الأصول الخمسة
يبين ذلك ويوضحه ، أنه لو كان الميزان إنما هو العدل ، لكان لا يثبت للثقل والخفة فيه معنى ، فدل على أن المراد به الميزان المعروف الذي يشتمل على ما تشمل عليه الموازين فيما بيننا.
فإن قالوا : وأي فائدة في وضع الموازين التي أثبتموها ، ومعلوم أنه إنما يوضع ليوزن به الشيء ، ولا شيء هناك يخذله الوزن ويتأتى فيه ، فإن أعمال العباد طاعاتهم ومعاصيهم أعراض لا يتصور فيها الوزن.
قيل له : ليس يمتنع أن يجعل الله تعالى النور علما للطاعة والظلم أمارة للمعصية ، ثم يجعل النور في إحدى الكفتين والظلم في الكفة الأخرى ، فإن ترجحت كفة النور حكم لصاحبه بالثواب ، وإن ترجحت الأخرى حكم له بالأخرى ، وكما لا يمتنع ذلك فكذلك لا يمتنع أن يجعل الطاعات في الصحائف ثم توضع صحائف الطاعات في كفة وصحائف المعاصي في كفة ، فأيهما ترجحت حكم لصاحبه به ، هذا هو كيفية ذلك.
** فائدة عذاب القبر :
وأما فائدته ، فهو تعجيل مسرة المؤمن وغم الكافر ، هذا في القيامة.
وفيه فائدة أخرى تتعلق بالتكليف ، وهي أن المرء مع علمه أن أعماله توزن على الملأ كان عند ذلك أقرب إلى أداء الواجبات واجتناب المقبحات ، وهذه فائدة عظيمة.
وأما الحساب فمما لا يجوز إنكاره فقد قال تعالى : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا ) غير أن محاسبة الله تعالى إيانا لا تجري على حد ما تجري المحاسبة بين الشريكين والمتعاملين فإن ذلك فيما بيننا إنما يكون بعقد الأصابع أو ما يجري مجراه ، وليس هكذا محاسبة الله تعالى عبارة ، فإن ذلك يكون بخلق العلم الضروري في قلبه أنه يستحق من الثواب كذا ومن العقوبة كذا ، فيسقط الأقل بالأكثر ، وعلى هذا صح ذلك بسرعة على ما دل عليه قوله تعالى : ( الله سريع الحساب ) ومن هاهنا استدل بعض مشايخنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجوز أن يكون جسما ، وإلا كان لا يتأتى منه محاسبة الخلائق بسرعة ولا يمكنه خلق العلم فيهم ، فكان يتعثر عليه ولا يمكنه إلا بمدة مديدة وزمان طويل ، وفي علمنا بأنه تعالى سريع الحساب دليل على أنه تعالى ليس من قبيل هذه الأجسام ، والفائدة في المحاسبة نحو الفائدة ووضع الموازين.
صفحة ٤٩٧