نخاطر بكم فِي قتال، وَلَا نبذلكم دون أَنْفُسنَا، وَالله عَليّ شَهِيد بِالْوَفَاءِ وَالِاجْتِهَاد، وَعَلَيْكُم بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة. وَوَقع إِلَى كَاتب جنده وَقد شغبوا عَلَيْهِ بالأنبار: بلغ المفترين عني، أبرمتم بأعجاركم، أم عظمت نعْمَة الله عَلَيْكُم فِي دينكُمْ ودنياكم؟ فَلَا تَكُونُوا عظة الْعُقَلَاء، وزرية الجهلاء، فتحبط أَعمالكُم، وتخيب آمالكم، وَالعطَاء غير مُؤخر عَن وقته إِن شَاءَ الله. وَدخل عَلَيْهِ عبد الله بن حسن بن حسن، وَمَعَهُ مصحف، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أعطنا حَقنا الَّذِي جعله الله لنا فِي هَذَا الْمُصحف. وَكَانَ الْمجْلس غاصًا ببني هَاشم وَغَيرهم، فأشفق النَّاس من أَن يعجل السفاح إِلَيْهِ، أَو يعيا بجوابه، فَيكون ذَلِك عارًا عَلَيْهِ. قَالَ: فَأقبل عَلَيْهِ غير مغضب وَلَا منزعج، فَقَالَ: إِن جدك عليا كَانَ خيرا مني وَأَعْدل. ولي هَذَا الْأَمر، فَأعْطى جديك الْحسن الْحسن وَالْحُسَيْن، وَكَانَا خيرا مِنْك شَيْئا، وَكَانَ الْوَاجِب أَن أُعْطِيك مثله فَإِن كنت قد فعلت فقد أنصفتك، وَإِن كنت زدتك فَمَا هَذَا جزائي مِنْك، فَمَا رد عبد الله جَوَابا، وَانْصَرف وَالنَّاس يتعجبون من جزاب السفاح.
الْمَنْصُور
ذكر يَوْمًا مُلُوك بني مَرْوَان، فَقَالَ: كَانَ عبد الْملك جبارًا لَا يُبَالِي مَا صنع، وَكَانَ الْوَلِيد لحانًا مَجْنُونا، وَكَانَ سُلَيْمَان همه بَطْنه وفرجه، وَكَانَ عمر أَعور بَين عُمْيَان، وَكَانَ هِشَام رجل الْقَوْم. لما اتَّصل بِهِ خُرُوج مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم ﵄ شن عَلَيْهِ درعه، وتقلد سَيْفه وَصعد الْمِنْبَر، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ: مَالِي أكفكف عَن سعدٍ وتشتمني ... وَلَو شتمت بني سعد لقد سكنوا جهلا علينا، وجبنًا عَن عَدو همو ... لبئست الخلتان: الْجَهْل والجبن