مروج الذهب ومعادن الجوهر
وكان من قواد ابن رائق، حتى فرق بينه وبين عسكره وغرقه في الفرات، وذلك نحو رحبة مالك بن طوق، وقد أتينا على خبره، وما كان من الحيلة في أمره، ومدة بقائه في الماء مقيدا إلى أن خرج، ثم قتل بعد ذلك، في الكتاب الأوسط في أخبار محمد رائق، وسار ابن وهبان فيمن معه من العساكر إلى صقع كور الأهواز، وذلك على طريق مناذر وتستر وأيذج، واحتوى على هذه البلاد وجبى أموالها، وحمل ذلك إلى مرداويج فطغى مرداويج وتكبر، وعظمت جيوشه وأمواله وعساكره، وضرب سريرا من الذهب، رصع له بالجوهر، وعملت له بدلة وتاج من الذهب، وجمع في ذلك أنواع الجواهر، وقد كان سأل عن تيجان الفرس وهيآتها، فصورت له ومثلت فاختار منها تاج أنوشروان بن قباذ. وكان نمي إليه من كتابه ومن أطاف به من أتباعه، من دهاة العالم وشياطينه، أن الكواكب ترمي بشعاعها إلى بلاد أصبهان، فيظهر بها ديانة، وينصب بها سرير ملك، ويجبى له كنوز الأرض، وأن الملك الذي يليها يكون مصفر الرجلين ويكون من صفته كيت وكيت، وأن مدة عمره في الملك كذا وكذا، ثم يتلوه من ولده من بعده في هذه المملكة أربعون ملكا، وقربوا له الزمان في ذلك وحددوه وتقربوا إليه بأشياء من هذه المعاني مما مال إليه هواه واستدعاه منهم واستهواه وأظهر أنه المصفر الرجلين الذي يتملك الأرض، وكان معه من الأتراك نحو أربعة آلاف مماليك له في خاصته، دون من في عسكره من الأتراك، مع ما عنده من الأمراء والأتراك، وكان سيء الصحبة لهم، كثير القتل فيهم، فعملوا على قتله، وتحالفوا وقد كان على المسير إلى مدينة السلام، والقبض على الملك، وتوليه أصحابه مدن الإسلام بأسرها في شرق البلاد وغربها مما في يد ولد العباس، وغيرهم، فأقطع الدور ببغداد لأهله، ولم يشك أن الأمر في يده والملك له، فخرج ذات يوم إلى الصيد وهو فرح مسرور، وانصرف وهو كذلك لما قد تم له من الأمر وتأتى له من الملك، فدخل الحمام بعد رجوعه في قصر أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي بأصبهان فدخل إليه غلام من وجه الأتراك، وهو بجكم، وكان من خواص الغلمان، ومعه ثلاثة نفر من وجوه الأتراك أرى أحدهم توزون مدبر الدولة بعد بجكم، فقتلوه، فخرج بجكم ومن معه، وقد كان أعلم الأتراك بذلك فكانوا له متأهبين دون سائر من في العسكر، فركبوا من فورهم - وذلك في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في خلافة الراضي - وتفرق الجيش عند وقوع الضجة. وانتهب بعض الناس بعضا، وأخذت الخزائن وانتهبت الأموال، ثم إن الجبل والديلم ثابوا واجتمعوا وتشاوروا، وقالوا: إن بقينا على ما نحن عليه من التحزب بغير رئيس ننقاد إليه هلكنا، فاجتمع أمرهم على مبايعة وشمكير أخي مرداويج، وتفسير وشمكير بالعربية الأخذ وتفسير مرداويج معلق الرجال، وقد يكتب مزداويج بالزاي فبايعوا وشمكير بعد أن تفرق كثير من الجيش، ففرق فيهم كثيرا مما بقي من الأموال، وأحسن إليهم، وتوجه فيمن معه من العساكر إلى الري فنزلها، وسار بجكم التركي فيمن معه من الأتراك وقد جمعوا أنفسهم إلى أن يخلصوا من الديلم، وسار إلى بلاد الدينور فجبى منها الخراج وأخذ كثيرا من الأموال، وسار إلى النهروان على أقل من يومين من مدينة السلام، فراسل الراضي، وكان الغالب على أمره الساجية وعدة من الغلمان الحجرية، فأبوا أن يتركوه يصل إلى الحضرة خوفا أن يغلب على الدولة، فمضى بجكم لما منع من الحضرة إلى واسط إلى محمد بن رائق، وكان مقيما بها، فأدناه، وحياه، وغلب عليه، وقوى أمر بجكم واصطنع الرجال، وضعف أمر ابن رائق عنه، فكان من أمره ما قد اشتهر، وقد قدمنا ذكره فيما سلف من كتبنا: من اختفائه وخروج بجكم مع الراضي إلى الموصل ومعهم علي بن خلف بن طباب إلى ديار بني حمدان من بلاد الموصل وديار ربيعة، وظهور محمد بن رائق ببغداد، ومعونة الغوغاء له، ومسيره إلى دار السلطان وقتله لابن برد السيرافي، وخروجه عن الحضرة ومن تبعه من الجبل والقرامطة، مثل رافع وعمارة وغيرهما، وكانوا أنصاره، ومسيره إلى ديار مضر، ونزوله الرقة وما كان بينه وبين نميرة، ودخول يأنس المؤنسي في جملته، ومسيره إلى جند قنسرين والعواصم، وإخراجه طريفا السكري عنها وتوليته الثغر الشامي. وقد أتينا في الكتاب الأوسط الذي كتابنا هذا تال له، والأوسط تال لكتابنا أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الداثرة على ما كان منه، ومحاربته الإخشيد محمد بن طغج بالعريش من بلاد مصر، وانكشافه، ورجوعه إلى دمشق، وما كان من قتله لأخي الإخشيد محمد بن طغج باللجون من بلاد الأردن، وما كان قبل وقعة العريش بينه وبين عبد الله بن طغج، وما كان معه من القواد، وانكشافهم عنه، واستئمان من استأمن منهم إليه مثل محمد بن تكين الخاصة وتكين الخاقاني غلام خاقان المفلحي وغيرهما، وغير ذلك من أخباره وأخبار غيره، وذكرنا مقتل طريف السكري في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة على باب طرسوس، وما كان من وقعته مع الثميلية، وهم غلمان ثميل الخادم، فأغنى ذلك عن إعادته مبسوطا في هذا الكتاب.
وإنما تغلغل بنا الكلام في التصنيف فيما ذكرنا من أخبار الديلم والجبل وما كان من أمر أسفار بن شيرويه ومرداويج عند ذكرنا لآل أبي طالب وأمر الداعي الحسن بن القاسم الحسني صاحب طبرستان ومقتله، وخبر الأطروش الحسن بن علي الحسني.
قال المسعودي: وقد أتينا على ذكر سائر الأحداث والكوائن في أيام من ذكرنا من الخلفاء والملوك في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وذكرنا في هذا الكتاب ما يكتفي به الناظر فيه، وانتهى بنا التصنيف فيه إلى هذا الوقت، وهو جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ونحن بفسطاط مصر، والغالب على أمر الدولة والحضرة أبو الحسن أحمد بن الديلمي المسمى معز الدولة، وأخوه الحسن بن بويه صاحب بلاد أصبهان وكور الأهواز وغيرها المسمى ركن الدولة، وأخوهما الأكبر، والرئيس فيهم المعظم علي بن بويه الملقب بعميد الدولة المقيم بأرض فارس، والمدبر منهم لأمر المطيع أحمد بن بويه معز الدولة، وهو المحارب للبريديين بأرض البصرة، والمطيع معه على حسب ما ينمو إلينا من أخبارهم، ودلننا في كتابنا هذا بالقليل على الكثير، وبالخبر اليسير على الجليل الخطير، وذكرنا في كل كتاب من هذه الكتب ما لن نذكره في الآخر إلا ما لا يسع تركه، ولم نجد بدا من إيراده لما دعت الضرورة إلى وصفه، وأتينا على أخبار أهل كل عصر وما حدث فيه من الأحداث، وما كان فيه من الكوائن إلى وقتنا هذا، مع ما أسلفناه في هذا الكتاب من ذكرنا البر والبحر، والعامر منهما والغامر، والملوك وسيرها، والأمم وأخبارها.
وأرجو أن يفسح الله تعالى لنا في البقاء، ويمد لنا في العمر، ويسعدنا بطول الأيام؛ فنعقب تأليف هذا الكتاب بكتاب آخر نضمنه فنونا من الأخبار، وأنواعا من طرائف الآثار، على غير نظم من التأليف، ولا ترتيب من التصنيف، على حسب ما يسنح من فوائد الأخبار، ويوجد من نوادر الآثار، ونترجمه بكتاب وصل المجالس بجوامع الأخبار ومختلط الآثار تاليا لما سلف من كتبنا، ولاحقا بما تقدم من تصنيفنا.
وجميع ما أوردناه في هذا الكتاب لا يسع ذوي الدراية جهله، ولا يعذر في تركه والتغافل عنه؛ فممن عد أبواب كتابي هذا ولم يمعن النظر في قراءة كل باب منه لم يبلغ حقيقة ما قلنا، ولا عرف للعلم مقداره؛ فلقد جمعنا ما فيه في عدة السنين باجتهاد وتعب عظيم، وجولان في الأسفار، وطواف في البلدان من الشرق والغرب في كثير من الممالك غير مملكة الإسلام.
فمن قرأ كتابنا هذا فليتدبره بعين المحبة، وليتفضل بهمته بإصلاح ما أنكر منه مما غيره الناسخ وصحفه الكاتب، وليرع لي نسبة العلم، وحرمة الأدب، وموجبات الرواية، وما تجشمت من التعب فيها، فإن منزلتي فيه وفي نظمه وتأليفه بمنزلة من وجد جوهرا منثورا ذا أنواع مختلفة وفنون متباينة فنظم منها سلكا، واتخذ عقدا نفيسا، ثمينا باقيا لطلابه.
وليعلم من نظر فيه أني لم أنتصر فيه لمذهب، ولا تحيزت إلى قول، ولا حكيت عن الناس إلا مجالس أخبارهم، ولم أعرض فيه لغير ذلك.
فلنذكر الآن الباب الثاني من جماع التاريخ على حسب ما قدمنا الوعد بإيراده في صدر هذا الكتاب وبالله أستعين، وعليه أتوكل.
ذكر جامع التاريخ الثاني من الهجرة إلى هذا الوقت
تقدمة
صفحة ٢٠٥