633

يخاف وقوع البين والشمل جامع ... فيبكي بعين دمعها متسرع فلو كان مسرورا بما هو واقع ... كما هو محزون بما يتوقع

لكان سواء برؤه وسقامه ... ولكن وشك البين أدهى وأوجع

وقوله:

تمتع من حبيبك بالوداع ... إلى وقت السرور بالاجتماع

فكم جربت من وصل وهجر ... ومن حال ارتفاع واتضاع

وكم كأس أمر من المنايا ... شربت فلم يضق عنها ذراعي

فلم أر في الذي لاقيت شيئا ... أمر من الفراق بلا وداع

تعالى الله كل مواصلات ... وإن طالت تؤول إلى انقطاع

وقوله:

لا خير في عاشق يخفي صبابته ... بالقول والشوق في زفراته بادي

يخفي هواه وما يخفى على أحد ... حتى على العيس والركبان والحادي

وفاة علي بن بسام

وفي سنة ثلاث وثلاثمائة في خلافة المقتدر بالله كانت وفاة علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام، وكان شاعرا لسنا، مطبوعا في الهجاء، ولم يسلم منه وزير ولا أمير ولا صغير ولا كبير. وله هجاء في أبيه وإخوته وسائر أهل بيته، فمما قال في أبيه محمد بن نصر:

بنى أبو جعفر دارا فشيدها ... ومثله لخيار الدور بناء

فالجوع داخلها، والذل خارجها ... وفي جوانبها بؤس وضراء

ما ينفع الدار من تشييد حائطها ... وليس داخلها خبز ولا ماء

وله فيه:

هبك عمرت عمر عشرين نسرا ... أترى أنني أموت وتبقى

فلئن عشت بعد يومك يوما ... لأشقن جيب مالك شقا

وله فيه:

رأى الجوع طبا، فهو يحمي ويحتمي ... فلست ترى في داره غير جائع

ويزعم أن الفقر في الجود والسخا ... وأن ليس حظ في إكتساب الصنائع

لقد أمن الدنيا ولم يخش صرفها ... ولم يدر أن المرء رهن الفجائع

وأنشدني أبو الحسن محمد بن علي الفقيه الوراق الأنطاكي بأنطاكية، لعلي بن محمد بن بسام، يهجو الموفق والوزير أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، والطائي - أمير بغداد، وعبدون النصراني، أخا صاعد، وأبا العباس بن بسطام، وحامد بن العباس وزير المقتدر بالله بعد ذلك، إسحاق بن عمران، أمير الكوفة يومئذ:

أيرجو الموفق نصر الإله ... وأمر العباد إلى دانيه

رمن قبلها كان أمر العباد ... لعمر أبيك إلى زانيه

فإن رضيت رضيت أنه ... كدالية فوقها دالية

وظل ابن بلبل يدعى الوزير ... ولم يك في الأعصر الخاليه

وطحان طي تولى الجسور ... وسقي الفرات وزرقاميه

وبحكم عبدون في المسلمين ... ومن مثله تؤخذ الجاليه

وأحول بسطام ظل المشير ... وكان يحوك ببرزاطيه

وحامد يا قوم لو أمره ... إلي لألزمته الراويه

نعم ولأرجعته صاغرا ... إلى بيع رمان حضراويه

وإسحاق عمران يدعى الأمير ... لداهية أيما داهية

فهذي الخلافة قد ودعت ... وظفت على عرشها خاويه

فخل الزمان لأوغاده ... إلى لعنة الله والهاويه

فيا رب قد ركب الأرذلون ... ورجلي من رجلهم عاليه

فإن كنت حاملنا مثلهم ... وإلا فأرحل بني الزانيه

جمع في شعره هذا جميع رؤساء أهل الدولة في ذلك العصر.

وأنشد أبو إسحاق الزجاج النحوي صاحب المبرد لابن بسام في المعتضد، وقد ختن ابنه جعفرا المقتدر:

انصرف الناس من ختان ... يدعون من جوعهم حزاما

فقلت: لا تعجبوا لهذا ... فهكذا تختن اليتامى

وله أيضا في المعتضد:

إلى كم لا نرى ما نرتجيه ... ولا ينفك من أمل كذوب

صفحة ١٦٦