573

وأخونا ولست أعني سعيد بن حميد تؤرخ الكتب باسمه وكان لسعيد بن حميد وأبي علي البصير وأبي العيناء معاتبات ومكاتبات ومداعبات، وقد أتينا على ذكرها في الكتاب الأوسط.

أبو علي البصير

وكان أبو علي البصير من أطبع الناس في زمانه، لا يزال يأتي بالبيت النادر، والمثل السائر، الذي لا يأتي به غيره، وكان ابن ميادة بسوء اختياره يرى أنه أشعر من جرير، ويحسبه مقدما على أهل عصره، وهو فوق نظرائه في وقته، ودون البحتري فمن مشهور شعره قوله في المعلى ابن أيوب:

لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم، وفي الدنيا كريم

ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم

ومما استحسن له من شعره قوله:

إذا ما اغتدت طلابة العلم مالها ... من العلم إلا ما يخلد في الكتب

غدوت بتشمير وجد عليهم ... فمحبرتي سمعي ودفترها قلبي

ومما استحسن من قوله وهو يريد الحج:

خرجنا نبتغي مكة حجاجا وعمارا

فلما شارف الحير ... ة راعي إبلي حارا

فقلت: احطط بها رحلي ... ولا تعبأ بمن جارا

فصادفنا بها لهوا ... وبستانا وخمارا

وظبيا عاقدا بين النقا والخصر زنارا

فما ظنك بالحلفا ... ء إن أشعلتها نارا

ظهور يحيى بن عمر الطالبي

وظهر في هذه السنة، وهي سنة ثمان وأربعين ومائتين، بالكوفة أبو الحسن يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الطيار، وأمه فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الطيار وقيل: إن ظهوره كان بالكوفة سنة خمسين ومائتين فقتل وحمل رأسه إلى بغداد وصلب، فضج الناس من ذلك، لما كان في نفوسهم من المحبة له، لأنه استفتح أموره بالكف عن الدماء، والتورع عن أخذ شيء من أموال الناس، وأظهر العدل والإنصاف، وكان ظهوره لذل نزل به، وجفوة لحقته، ومحنة نالته من المتوكل وغيره من الأتراك، ودخل الناس إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يهنئونه بالفتح، ودخل فيهم أبو هاشم الجعفري - وهو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، بينه وبين جعفر الطيار ثلاثة آباء - ولم يكن يعرف في ذلك الوقت أقعد نسبا في آل أبي طالب وسائر بني هاشم وقريش منه، وكان ذا زهد وورع ونسك وعلم، صحيح العقل سليم الحواس منتصب القامة، وقبره مشهور، وقد أتينا على خبره وما روي عنه من الرواية عن أبيه ومن شاهد من سلفه في كتاب حدائق الأذهان في أخبار آل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لابن طاهر: أيها الأمير، إنك لتهنأ بقتل رجل لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا لعزي به، فلم يجبه محمد وخرج من داره وهو يقول: يا بني طاهر، البيتين، قد كان المستعين أمر بنصب الرأس، فأمر ابن طاهر بإنزاله لما رأى الناس وما هم عليه، وفي ذلك يقول أبو هاشم الجعفري:

يا بني طاهر كلوه وبيا ... إن لحم النبي غير مري

إن وترا يكون طالبه الله لوتر بالفوت غير حري

وقد رثي أبو الحسين يحمى بن عمر بأشعار كثيرة، وقد أتينا على خبر مقتله وما رثي به من الشعر في الكتاب الأوسط، ومما رثي به ما قاله فيه أحمد بن طاهر الشاعر من قصيدة طويلة:

سلام على الإسلام فهو مودع ... إذا ما مضى آل النبي فودعوا

فقدنا العلا والمجد عند افتقادهم ... وأضحت عروش المكرمات تضعضع

أتجمع عين بين نوم ومضجع ... ولابن رسول الله في الترب مضجع

فقد أقفرت دار النبي محمد ... من الدين والإسلام، فالدار بلقع

وقتل آل المصطفى في خلالها ... وبحد شمل منهم ليس يجمع

ألم تر آل المصطفى كيف تصطفي ... نفوسهم أم المنون فتتبع

بني طاهر، واللؤم منكم سجية ... وللغدر منكم حاسر ومقنع

صفحة ١٠٢