مروج الذهب ومعادن الجوهر
ومن ملاحات أحاديث الملهين المجان ما ذكره أبو الفضل بن أبي طاهر قال: حدثني أحمد بن الحارث الجزار عن أبي الحسن المدائني وأبي علي الحرمازي قالا: كان بمكة سفيه يجمع بين الرجال والنساء على أفحش الريب وكان من أشراف قريش، ولم يذكر اسمه، فشكا أهل مكة ذلك إلى الوالي فغربه إلى عرفات، فاتخذها منزلا ودخل إلى مكة مستترا فلقي بها حرفاؤه من الرجال والنساء، فقال: وما يمنعكم مني؟ فقالوا: وأين بك وأنت بعرفات؟ فقال: حمار بدرهمين وصرتم إلى الأمن والنزهة والخلوة واللذة قالوا: نشهد إنك لصادق؟ فكانوا يأتونه، فكثر ذلك حتى أفسد على أهل مكة أحداثهم وحواشيهم، فعادوا بالشكية إلى أميرهم، فأرسل إليه فأتي به فقال: أي عدو الله طردتك من حرم الله فصرت إلى المشعر الأعظم تفسد فيه وتجمع بين الخبائث. فقال: أصلح الله الأمير! إنهم يكذبون علي ويحسدونني! فقالوا للوالي: بيننا وبينه واحدة تجمع حمر المكارين وترسلها إلى عرفات فإن لم تقصد إلى بيته لما تعودت من إتيان السفهاء والفجار إياه فالقول ما قال؛ فقال الوالي: إن في هذا لدليلا، وأمر بجمع الحمر فجمعت ثم أرسلت فقصدت منزله، وأتاه أمناؤه فقال: ما بعد هذا شيء، جردوه! فلما نظر إلى السياط قال: ولا بد من ضربي؟ قال: لا بد يا عدو الله، قال: اضرب فوالله ما في هذا شيء بأشد من أن يسخر بنا أهل العراق ويقولون: أهل مكة يجيزون شهادة الحمير مع تقريعهم لنا بقول شهادة الواحد مع يمين الطالب، قال: فضحك الوالي وقال: لا أضربك اليوم، وأمر بتخلية سبيله وترك التعرض له. قال المسعودي: وللمنتصر بالله أخبار حسان وأشعار وملح ومنادمات ومكاتبات ومراسلات قبل الخلافة، وقد أتينا على مبسوطها وما استحسناه منها مما لم نورده في هذا الكتاب في كتابنا أخبار الزمان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة، وكذلك في الكتاب الأوسط؛ إذ كنا ما ضمناه كل كتاب منها لم نتعرض لذكره في الآخر، ولو كان كذلك لم يكن بينها فرق وكان الجميع واحدا، وسنورد بعد فراغنا من هذا الكتاب كتابا نضمنه فنونا من الأخبار على غير نظم من التأليف ولا ترتيب من التصنيف على حسب ما يسنح من فوائد الأخبار ويخلله بالآداب وفنون الآثار، تاليا لما سلف من كتبنا ومعقبا لما تقدم من تصنيفنا. إن شاء الله تعالى.
ذكر خلافة المستعين بالله
وبويع أحمد بن محمد بن المعتصم في اليوم الذي توفي فيه المنتصر، وهو يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين. ويكنى بأبي العباس، وكانت أمه أم ولد صقلبية يقال لها مخارق، وخلع نفسه، وسلم الخلافة إلى المعتز، فكانت خلافته ثلاث سنين وثمانية أشهر - وقيل: ثلاث سنين وتسعة أشهر - وكانت وفاته يوم الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وقتل وهو ابن خمس وثلاثين سنة.
ذكر جمل هن أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه
وزراؤه وكتابه
واستوزر المستعين بالله أبا موسى أوتامش، وكان المتولي لأمر الوزارة والقيم بها كاتبا لأوتامش يقال له شجاع بن القاسم، وبعد أن قتل أوتامش وكاتبه شجاع صار على وزارته أحمد بن صالح بن شيرزاد، ولما قتل وصيف وبغا باغر التركي تعصبت الموالي، وانحدر وصيف وبغا إلى مدينة السلام، والمستعين معهما، فأنزلاه دار محمد بن عبد الله بن طاهر، وذلك في المحرم سنة إحدى وخمسين ومائتين، والمستعين لا أمر له، والأمر لبغا ووصيف، وكان من حصار بغداد ما ذكرناه في الكتاب الأوسط؟ وفي المستعين بالله يقول بعض الشعراء في هذا العصر:
خليفة في قفص ... بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له ... كما يقول الببغا
وقد كان المستعين نفى أحمد بن الخصيب إلى إقريطش سنة ثمان وأربعين ومائتين، ونفى عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى برقة، واستوزر عيسى بن فرخشانشاه، وقلد سعيد بن حميد ديوان الرسائل.
سعيد بن حميد
وكان سعيد حافظا لما يستحسن من الأخبار، ويستجاد من الأشعار، متصرفا في فنون العلم، ممتعا إذا حدث، مفيدا إذا جولس، وله أشعار كثيرة حسان؟ ففما يستحسن ويختار من شعره قوله:
وكنت أخوفه بالدعاء ... وأخشى عليه من المأثم
فلما أقام على ظلمه ... تركت الدعاء على الظالم
وقوله:
أسيدتي مالي أراك بخيلة ... مقيم على الحرمان من يستزيدها
فأصبحت كالدنيا ننم صروفها ... ونتبعها ذما ونحن عبيدها
وقوله:
الله يعلم، والدنيا مولية ... والعيش منتقل، والدهر ذو دول
فللفراق وإن هاجت فجيعتهعليك أخوف في قلبي من الأجل
وكنت أفرح بالدنيا ولذتها ... واليأس يحكم للأعداء في الأمل
وقوله:
وما كان حبيبها لأول نظرة ... ولا غمرة من بعدها فتجلت
ولكنها الدنيا تولت، وما الذي ... يسلي عن الدنيا إذا ما تولت.
وقوله:
كأن انحدار الدمع حين تجيله ... على خدها الريان در على در
إلا أن سعيدا - على ما وصفنا عنه من الأدب - كان يتنصب، ويظهر التسنن والتخيل، وظهر عنه الإنحراف عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن الطاهرين من ولده، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
ما رأينا لسعيد بن حميد من شبيه
ما له يؤذي رسول الله في شتم أخيه
إنه الزنديق مستو ... ل على دين أبيه
وكان سعيد بن حميد من أبناء المجوس، وفيه يقول بعض الشعراء، وهو أبو علي البصير:
رأس من يدعي البلاغة مني ... ومن الناس كلهم في حر أمه
صفحة ١٠١