مفتاح السعادة
قيل: قد مر الدليل على ذلك في الاستعاذة، فإن قيل: إن حالة الحدوث هي حالة الاستغناء عن المحدث فكيف يجعل علة في الاحتياج إليه، بيان ذلك أن الاحتياج إنما هو في حالة العدم، والحدوث هو أول أحوال الوجود فلا يصح علة إذ من حقها المقارنة.
قيل: الحدوث علة كاشفة بمعنى أن الحدوث كشف عن الاحتياج إلى محدث، فهو كجعل صحة الفعل علة في كونه قادرا، ولا تشترط المقارنة إلا في العلة الموجبة، وقد أجيب بجواب آخر وهو أن العلة في الحقيقة كون هذا الشيء مما إذا وجد كان محدثا، ويكون هذا هو المراد بالحدوث، وذلك سابق على الحدوث ومقارن لحالة الاحتياج إلى المحدث وهي حالة العدم، فإن قيل: هلا كانت هذه الحاجة من الأحكام التي لا تعلل فلا يصح القياس، قيل: قد ثبت أنها محتاجة إلينا وأن وجودها على سبيل الجواز فلا بد من أمر احتاجت إلينا لأجله، وإلا جاز وجود الجائز لا لمرجح وهو باطل، فإن قيل: تعليل الحاجة بالحدوث لا يصح لأنها إنما احتاجت في الحدوث، وإذا كان هو العلة فقد عللتم الشيء بنفسه.
قيل: إنما يكون كذلك لو عللنا الحدوث بالحدوث أو الحاجة بالحاجة وليس كذلك، وإنما قلنا: إن أفعالنا احتاجت إلينا لأجل حدوثها والحاجة غير الحدوث.
فإن قيل: مجرد الحدوث لا يوجب الحاجة إلى المحدث لجواز أن يكون واجبا، وهو أنه حدث لا لأمر كوجود واجب الوجود.
قيل: قد ثبت أن الحدوث عبارة عن الوجود مع الجواز لا مع الوجوب؛ لأنه وجد بعد وعدم كما مر، ولو كان وجوده واجبا لما تقدمه عدم إذ وجود الشيء لا لأمر يستلزم أزليته، وما قيل من احتمال وقوفه على شرط كالصفة المقتضاة فمدفوع بأنه لو وقف على شرط لكان ذلك الشرط لا يخلو إما أن يكون حادثا لزم التسلسل؛ إذ الحدوث متماثل أو أزليا لزم قدم العالم، وقد ثبت حدوثه فصح أن كل وجود بعد عدم لا يكون واجبا.
فإن قيل: هلا كانت العلة في الاحتياج هي الحدوث مع الجواز، وإذا حدث مع الوجوب لم يحتج.
صفحة ٧٠٥