698

المسألة التاسعة عشرة [في بيان أنه لا بد للمحدث من محدث مختار]

اعلم أن الآية كما قد تضمنت دليل حدوث العالم فقد تضمنت الدلالة على أنه لا بد له من محدث فاعل مختار، وذلك أن العالم اسم لما سوى الله، وإضافة الرب إليه تدل على افتقاره إلى غيره في وجوده وبقائه، وقد قيل: إن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث ضروري لا يحتاج إلى نظر، رواه السيد محمد بن إبراهيم الوزير عن كثير من العقلاء.

وفي المعراج عن المؤيد بالله والإمام يحيى أن المعرفة قد تحصل ضرورة في الدنيا لبعض المكلفين كالأنبياء والأولياء فلا يجب عليهم النظر، وهذا محكي عن السيد حميدان وهو قول أبي علي الأسواري والجاحظ، إلا أنه يقول: إن النظر شرط اعتيادي، أي أجرى الله العادة أنه لا يخلق العلم في القلب إلا بعد أن يوجد العبد النظر، وفيما حكيناه عن أمير المؤمنين عليه السلام في الدليل على حدوث الأجسام من قوله: (وهل يوجد بناء من غير بان)، ما يدل على أن العلم بذلك ضروري، وكذلك قوله عليه السلام : (الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود). رواه في النهج.

قال (ابن أبي الحديد) في (شرحه): لا شبهة في أن العلم بافتقار المتغير إلى المغير ضروري، والعلم بأن المتغير ليس هو المغير إما أن يكون ضروريا، أو قريبا من الضرورة.

قلت: وما قاله الشارح يدل على أن المعلوم ضرورة إنما هو كون المحدث لا بد له من مؤثر ما، لا تعيين كونه الباري تعالى.

وقد حكى القرشي اتفاق العقلاء على ذلك، والجمهور على أن العلم بذلك استدلالي ولهم على ذلك أدلة:

أحدها: أن الجسم قد ثبت حدوثه، وإذا ثبت حدوثه احتاج إلى محدث كاحتياج أفعالنا إلينا، والعلة في احتياجها إلينا حدوثها وهو موجود في الجسم، فإذا كان الجسم قد شارك أفعالنا في العلة وجب أن يشاركها في الحكم وهو الاحتياج.

فإن قيل: ما الذي يدل على أن علة حاجة أفعالنا إلينا هو الحدوث؟

صفحة ٧٠٤