مفتاح السعادة
الثانية: طريقة القياس العقلي، وذلك أنا وجدنا الأجسام مركبة مؤلفة كالمبنيات من الدور وغيرها، والمعلوم ضرورة أنه لم يثبت التركيب والتأليف في المبنيات إلا لكونها محدثة مقدورة لقادر متقدم على تركيبها، فيجب في الأجسام أن تكون محدثة مثلها لمشاركتها لها في التركيب مع عدم الفارق، وقد أشار إلى هذه الطريقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه حيث قال: (وهل يكون بناء من غير بان أو جناية من غير جان). رواه في النهج.
وذكر العلامة ابن أبي الحديد أن هذه الطريقة تفيد الضرورة قال: وقد اعتمد عليها كثير من المتكلمين فقال: نعلم ضرورة أن البناء لا بد له من بان، ثم قال في قوله: والجناية لا بد لها من جان أنها كلمة ساقت إليها القرينة، والمراد عموم الفعلية لا خصوص الجناية، أي مستحيل أن يكون الفعل من غير فاعل.
قلت: وهذا يقوي قولنا في الطريق الأولى أنها ضرورية، أعني قولنا إن الفعل لا يكون إلا من فاعل.
الثالثة: طريقة إمكان الأجسام واختلاف الأعراض فيها، وقد نبه عليها أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: (فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار، وتفجر هذه الأنهار، وكثرة هذه الجبال، وطول هذه القلال، وتفرق هذه اللغات، والألسن المختلفات، فالويل لمن أنكر المقدر، وجحد المدبر). رواه في النهج.
وقد أوضح العلامة ابن أبي الحديد ما في كلامه عليه السلام من التنبيه على هذه الطريقة، فقال: إن كل جسم يقبل لأجل الجسمية المشتركة بينه وبين سائر الأجسام ما يقبله غيره من الأجسام، فإذا اختلف الأجسام في الأعراض فلا بد من مخصص خصص هذا الجسم بهذا العرض دون أن يكون لجسم آخر، ويكون لهذا الجسم عرض غير هذا؛ لأن الممكنات لا بد لها من مرجح يرجح أحد طرفيها على الآخر، قال: فهذا هو معنى قوله: فانظر إلى الشمس والقمر... إلى آخره.
صفحة ٦٥٧