650

الفصل الثاني في حدوث الأجسام

والكلام فيه يكون في ثلاثة مواضع، الأول: في ذكر الخلاف، الثاني: في إقامة البرهان على حدوثها، الثالث: في شبه المخالف وإبطالها.

الموضع الأول: في ذكر الخلاف في حدوث الأجسام

فالذي عليه أهل الإسلام وغيرهم من سائر الملل من اليهود والنصارى وغيرهم ممن أثبت الصانع المختار والفلاسفة الأبرقلس القطع بحدوثها، والخلاف في ذلك للدهرية -بفتح الدال- فإنهم يقولون بقدم الأجسام كلها، وأما تراكيبها فلا خلاف في حدوث أكثرها، وممن قال بقدم الأجسام ابن الراوندي، وظاهر كلام القرشي أن من لم يثبت الصانع المختار من الفلاسفة وغيرهم يخالفون في حدوثها، قال: فإنهم اتفقوا جميعا على أنها حاصلة في الأزل، وهذا هو معنى القدم وإن أطلقوا لفظ الحدوث بمعنى أنها حصلت من غيرها.

الموضع الثاني : في حجج أهل الإسلام ومن وافقهم

اعلم أن حدوث كثير من الأجسام معلوم بالضرورة كأصناف الحيوان، والأشجار، والسحاب، والأمطار، وغير ذلك مما لا ينكره إلا من ينكر ظلمة الليل وضوء النهار، وتحقيق ذلك أن معنى الحدوث وجود الشيء عقيب عدمه كما مر، ونحن نعلم ضرورة أن هذه الأشياء تكون معدومة ثم تحدث وتوجد، وإذا ثبت حدوث هذه الأشياء فلنا أن نلحق بها ما لا نشاهد حدوثه من الأجسام كالسماء والأرض ونحوهما؛ لأن الأجسام كلها متماثلة كما مر، فما ثبت لبعضها ثبت للكل وهذه طريق قطعية.

واعلم أن الطرق الموصلة إلى القطع بحدوث الأجسام كثيرة، ونحن نذكر منها ما به يتحصل العلم بالحدوث فنقول:

أحدها: الضرورة إما في البعض كما مر وإلحاق الباقي بالجامع المتقدم، وإما في الكل، وذلك أنه لا خلاف أن الأجسام تسمى صنعا، والصنع ضرورة لا يكون إلا من صانع؛ لأنه فعل والفعل لا يكون إلا من فاعل، وما احتاج إلى الفاعل فهو محدث لتقدم فاعله عليه ضرورة، وهذه الطريقة كما تجري في الأجسام تجري في الأعراض.

صفحة ٦٥٦