مفتاح السعادة
قال الإمام (أحمد بن سليمان) عليه السلام : ذكر الإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى عليه السلام في كتاب النجاة أن أبا الهذيل ناظر حفصا من أصحاب بشر بن المعتمر وقد نفى الحركات، فقال له أبو الهذيل: أخبرني كم حد الزاني؟ قال حفص: مائة جلدة، قال: قال أبو الهذيل: فكم حد القاذف؟ قال حفص: ثمانون، قال أبو الهذيل: فأخبرني هل الجلد هو الجلاد؟ قال حفص: لا، قال أبو الهذيل: فهل هو جنب المجلود؟ قال حفص: لا، قال: فهل هو السوط؟ قال: لا، قال أبو الهذيل: فأرني لا شيء زاد على لا شيء عشرين، قال: فانقطع حفص ولم يجد جوابا، وقد روى هذه المناظرة القرشي وذكر أنها مع الأصم، ولفظه أنه قال: كم يزيد حد الزاني على حد القاذف؟ قال: عشرون جلدة، قال: فهل هذه العشرون هي الجالد أم المجلود، أو السوط، أو الهواء، أو الأرض؟ قال: لا واحد من ذلك، قال: فما هي؟ قال : لا شيء، قال: فكأنك تقول: لا شيء يزيد على لا شيء بعشرين لا شيء فانقطع، ولعل المناظرة وقعت مع كل واحد منهما.
واعلم أن الذي يظهر أن من الأعراض ما يعلم ضرورة، ومنها ما يعلم دلالة كما ستعرفه عند الكلام على أجناسها، وقد نبه على هذا القرشي، فإنه قال: إن فيها ما يعلم ضرورة على الجملة نحو تصرفاتنا، وتصرفات ما نشاهده، وذلك لأنا نعلم قبح كثير منها، وحسن كثير بالضرورة، وإذا علمنا أحكامها بالضرورة، فكذلك هي؛ لأن أحكامها فرع عليها، وإنما يرجع الاستدلال إلى التفصيل.
هذا وأما النافون للأعراض فلم أقف لهم على حجة إلا قولهم إنه لا يعقل إلا الجسم الطويل العريض الشاغل للمكان، قالوا: ومحال أن يكون ليس بشاغل.
والجواب: مما مر من إنكار الأمور الزائدة على الجسم إنكار للضرورة، مع ما قررناه من الدلالة على إثباتها. والله أعلم.
صفحة ٦٤٠