مفتاح السعادة
قلت: وهذه الأشياء غير محدثة عندهم، وقد مر أنهم يطلقون على العقول ونحوها لفظ عالم، فيقولون: عالم العقول، فدل على أنهم قد أثبتوا في العالم قسما ليس بالمتحيز ولا صفة له، فيصح حملنا لكلام الرازي على الحكاية عنهم والله أعلم.
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول:
الفصل الأول في الجسم
والكلام فيه يقع في ثلاثة مواضع: الأول: في حقيقته، الثاني: في تماثل الأجسام، الثالث: في كونه غير مقدور للعباد.
الموضع الأول: في حقيقته
قال الإمام (أحمد بن سليمان) عليه السلام : الجسم سمي جسما لطوله وعرضه وعمقه، والعرب تسمي ما زاد في الطول والعرض والعمق جسيما، فيقولون: فرسي جسيم، وأجسم من فرس فلان، أي: أنه بالغ في ما له سمي جسما، وهو هذه الثلاثة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {وزاده بسطة في العلم والجسم}[البقرة:247]، وقول الشاعر:
وقد علم الحي من عامر .... بأن لنا ذروة الأجسم
ثم ذكر أن علامات الجسم أن يكون طويلا، عريضا، عميقا، محدودا بالجهات الست التي هي فوق، وتحت، وقدام، وخلف ويمين وشمال.
قال عليه السلام : فما كان بهذه الصفات فهو جسم، وما لم يكن بهذه الصفات فهو عرض، ولا واسطة،وهذا هو ظاهر مذهب القدماء من آل محمد"، كما تفيده حكاية السيد حميدان، والشرفي عن أئمة العترة".
قال (الشرفي): اعلم أن مذهب أئمة العترة"، أن جميع ما يشاهد من العالم لا يخلو من أن يكون محلا لغيره، أو حالا في غيره، فالمحل هو الجسم، والحال هو العرض، والعرض صفة، والجسم موصوف.
قلت: والمراد من أئمة العترة" قدماؤهم، إذ خلاف بعض المتأخرين معلوم.
واعلم أنه يقرب من قول الأئمة في حقيقة الجسم، قول الكرامية أنه ما يقوم بذاته، وهو قول النظام والصالحي.
صفحة ٦٢٧