593

والجواب عن قولهم: إنه لو فعل التفضل لكان ناقصا... إلخ كالجواب عن الوجه الآخر، وهو أن معنى الأكملية أنه لو لم يوجد التفضل لم يكن متفضلا فلا يستحق عليه حمدا، ونحن نلتزمه، ولا محذور كما مر.

واعلم أن الذي يظهر أنهم لم يقولوا إنه لو فعل التفضل للزم أن لا يستحق الحمد إلا ليتم لهم دعواهم أن الله غير متفضل بإلحاد المكلفين، وإنما خلقهم للجنة والنار، وليتم للرازي في قوله: إن الله يفعل الفعل لا لغرض، وهاهنا دقيقة، وهي أن أصحابنا قالوا: إن الثواب والعقاب يستحقان بما يستحق به المدح والذم، فجاء الرازي بهذه الشبهة ليدفع بها كلام الأصحاب، وذلك أنه قد دس في هذه الدسية أن الوجوب يستلزم استحقاق المدح على الفعل الواجب، وإذا لم يستحق المدح عليه فلا يستحق ذما على تركه، ليتحصل من ذلك أن العباد لا يستحقون مدحا على الواجب ولا ذما على تركه، فلا يستحقون عليه ثوابا ولا عقابا، بل لله أن يعاقب المطيع ويثيب العاصي، وهذا هو مذهبهم المبني على ذلك الأساس الفاسد، وقد عرفنا أن المدح والذم يستحقان على الفعل لحسنه ولقبحه من دون نظر إلى الوجوب أو عدمه، وأن الوجوب لا يمنع استحقاق المدح، بل يؤكده ويزيده قوة؛ لأن الوجوب كان لتناهي الفعل في الحسن الذي هو علة في المدح فتنبه لهذا فإنه مفيد.

ثم اعلم أن مقتضى كلامهم هذا إن أفعال الله كلها عبث أو ظلم وجور؛ لأنهم قد نفوا أن تكون واجبة، وأن تكون من باب التفضل الذي معناه الإحسان، فلم يبق إلا أن تكون جورا أو عبثا، فنعوذ بالله من حجة تخرج صاحبها عن الحجة.

صفحة ٥٩٧