مفتاح السعادة
والجواب: أن مذهبهم في نفي الوجوب عليه تعالى مؤسس على شفا جرف هار، وهو نفي الحسن والقبح العقلي، وذلك أنهم لما نفوهما أجازوا على الله تعالى أن يكلف بلا تمكين للمكلف ولا لطف، بل يكلفه ما لا يطاق، وأجازوا عليه تعذيب الأولياء، وإثابة الأشقياء، وإخلاف الوعد والوعيد، وغير ذلك من القبائح، ولا يقبح منه شيء عندهم لانتفاء علة القبح وهي كونه منهيا أو مملوكا، فإذا عرفت بطلان الأصل الذي بنوا عليه عرفت ما رتبوه على ذلك الأصل في هذه المسألة وغيرها، ولذلك قلنا: إن معرفة الحسن والقبح أصل مسائل العدل والوعد والوعيد فتنبه، وقد جمعنا لك في كتابنا هذا من أدلة أصحابنا على ثبوتهما ما لم يجتمع في غيره، وإذا ثبت أن هذه المسألة مبنية على ذلك الأصل الفاسد، فيكفينا ما تقدم من إبطاله عن الجواب هنا، لكنا لا نترك ذلك لما فيه من زيادة التوضيح، ودفع هذه الشبهة على وجه صريح، فنقول:
أولا: مهما بقيتم على نفي الحسن والقبح العقلي، فلا يصح لكم الاستدلال بالقرآن ونحوه من السمعيات لأنه يجوز من الله الكذب على مقتضى علتكم إذا جاز منه ذلك، فما يؤمنكم أن يكون كاذبا في إخباره في استحقاقه تعالى للحمد، وإذا جاز أن لا يكون مستحقا للحمد، فلا تدل الآية على ما ذكرتم -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا-.
وثانيا: إن القائلين بأنه يجب على الله واجب حصروا ما يجب عليه في ثمانية أمور، وهي التمكين، واللطف، والإثابة، والعوض، وقبول التوبة، والانتصاف للمظلومين، والبعثة للمستحقين، والبيان للمخاطبين، وهذه الثمانية نعم عظيمة، وإذا كانت نعما فلا شك في وجوب الشكر عليها والحمد رأس الشكر، هذا وسنبين لك كونها نعما عند الكلام على ذكر النعمة وحدودها.
صفحة ٥٩٥