مفتاح السعادة
القول الثاني للجهمية، والشبه التي استندوا إليها كشبه الأشاعرة، إلا أنهم يجعلون كوننا مملوكين مربوبين، موضع كوننا مأمورين منهيين، والجواب الجواب، ويزيده توضيحا أنه يعلم القبح من لا يعلم كوننا مربوبين كالملاحدة، وأيضا فإن حالنا مع الظلم ونحوه كحالنا مع العدل ونحوه، فيجب أن لا يحسن منا فعل البتة لاستمرار علة القبح.
واعلم أن أصحابنا يجعلون هذا قولا مستقلا منفردا عن الأول، ويفردونه حكاية، واستدلالا، وردا.
قال الإمام (المهدي) عليه السلام : والأقرب أنه من تمام القول الأول، وليس مستقلا؛ لأن الأولين لا يقولون بأن الفعل يقبح لمجرد النهي، بل مع صدوره من مالك رب، فكأنهم قالوا إنما قبح لكوننا منهيين مملوكين، فلا بد من مجموعهما، وإلا لزم قبح ما نهى عنه أحدنا وهم لا يقولون به، وكذلك أهل هذا القول لا يدعون أن القبح لمجرد كوننا مربوبين، بل مع النهي، فظهر أن هذا ليس قولا مستقلا.
قلت: فعلى ما ذكره عليه السلام ، فلا يلزمهم ما ألزمهم أصحابنا من أنه يلزم أن لا يحسن منا فعل؛ لأنهم يقولون في رد هذا الإلزام إذا لم ينه المالك فلا قبح، وظاهر إلزامهم بهذا أنهم لا يقيدون علتهم بالنهي، ولذا أطبق الأصحاب على إلزامهم به، فينظر في تأويل الإمام المهدي عليه السلام لكلامهم.
القول الثالث: ما ذكره الفلاسفة، وبعض المجبرة من أنه إنما قبح الفعل وحسن للاستحلاء والنفرة، ومستندهم ما مر من الشبهة في مسألة الحسن والقبح، وهي أن الحسن والقبح لميل النفس ونفرتها ونحو ذلك، وقد مر الجواب ثمة، وحاصله أنا نعلم قبح الظلم ونحوه وإن استحلته النفوس، ونعلم حسن العدل وإن نفرت عنه النفوس، وبهذا تم الكلام في المسألة، وبما قررنا يتبين لك أن الحق فيها ما ذهب إليه أئمة العدل، والحمد لله.
قال الإمام (المهدي) عليه السلام : والعلم بهذه المسألة من فروض الأعيان؛ لأنه يبتني عليها العلم بعدل الله وحكمته.
صفحة ٥٦٨