564

الوجه الثاني: أنا وإن سلمنا أن الله مدح به نفسه، فهو لا يدل على أنه يحسن من الله ما يقبح من غيره؛ لأن نهينا عن تزكية نفوسنا بالتقوى؛ لكونها أمرا باطنا لا يعلمه على حقيقته إلا الله تعالى، فربما وارتكب المزكي لنفسه قبيحا لا يعلمه، فيكون حكمه لنفسه بالطهارة من كل ذنب حكما على خلاف الواقع، وقد مر ما يدل على أنه لا يخلو بشر عن معصية ما حتى الأنبياء، فالمزكي لنفسه على الإطلاق، والحال هذه لا يأمن من ارتكاب القبيح بنفس التزكية فقبحت مطلقة في حقنا، وأما الباري تعالى فيجوز منه إطلاق مدح نفسه، ومدح غيره؛ لأنه عالم لذاته لا يكون المدح منه إلا على ما في نفس الأمر، وقد مر أنه لا يفعل القبيح لعلمه وغناه، فثبت أن وجه حسن مدحه لنفسه لتعريه عن وجوه القبح، وأن وجه القبح في حقنا هو أنه لا يؤمن الإقدام على القبيح، وهو الحكم بالطهارة من كل ذنب مع تجويز خلافه، بل مع العلم بخلافه على الجملة، والإقدام على ما لا يؤمن قبحه قبيح، ويؤيد هذا أن مدح الإنسان نفسه على بعض الجزئيات التي يقطع بها لا يقبح، فقد مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه بالأمانة لما قال له المنافقون إعدل في القسمة، ومدح أمير المؤمنين عليه السلام نفسه في مواضع مذكورة في نهج البلاغة وغيره، ويكفيك حديث المناشدة، وكذلك الأئمة والعلماء.

وعلى الجملة أن مدح الإنسان نفسه ليس منهيا عنه على الإطلاق، بل لوقوعه على وجه، وسيأتي الكلام على ما يجوز منه، وما لا يجوز في موضعه إن شاء الله، فليس هذا موضع ذكره، وإنما غرضنا هنا رد الشبهة، فهذه شبهة أهل القول الأول من المجبرة.

صفحة ٥٦٧