558

ومما يدل على قبح تعظيم من لا يستحق التعظيم أن قبح السجود للأصنام إنما قبح لكونه تعظيم من لا يستحقه، وبهذا تعرف الفرق بين التكليف، وبين ما أوردوه في المثال من تكليف السيد عبده نقل الحجارة، وذلك أن التكليف تعريض على التعظيم الذي لا يجوز الابتداء به، وما في المثال من المنافع التي منعها السيد عبده إلا مع تحمل تلك المشقة ليس فيه ذلك التعريض، وإنما هو مجرد مشقة خالصة، فقبحت؛ لأنا قد بينا في المرتبة الأولى أن مثل هذا مما يحسن الابتداء به، وأن تحميل المشقة في مثله عبث، بل ظلم فتأمل، وأما ما ذكروه من التفضل على الأطفال ونحوهم فهو من المرتبة الثانية، أعني أنه على جهة العوض لا على جهة التعظيم، ولا تبلغ مبلغ الثواب في القدر، ونعني بالغرض أنه عوض على ما نالهم من الألم، ونقص العقل في المجنون، ولو لم يكن عوضهم إلا على مقاسات ألم الموت، وقد مر أن وجه حسن إنزال الألم بهم اللطف والاعتبار لغيرهم، فتأمل يظهر لك عدم ورود هذا المثال على مسألة التحسين والتقبيح.

والجواب عن المثال الرابع أنه قد تقدم أن ابتداء الخلق تفضل، والمتفضل بأمر لا يجب عليه دوامه، وكذلك هو متفضل على الأطفال بتبقية أبيهم إلى وقت موته، ولا يجب عليه دوام ذلك التفضل، وإلا خرج عن كونه تفضلا، وليس كذلك الواحد منا، فإنه لا تفضل له على أبيهم ولا عليهم، ولا له في قتله حق فكان ظلما، وأيضا قد مر حسن التكليف، أو وجوبه، وقبح الإهمال، وقد ثبت أن الله وعد المكلفين بالجنة إن أطاعوا، وتوعدهم بالنار إن عصوا فلا بد من انقطاع التكليف بالموت والفناء؛ إذ لو اتصل الجزاء بالتكليف لكان المكلف ملجأ، والإلجاء ينافي التكليف.

والجواب عن المثال الخامس من وجهين:

أحدهما: أن هذا المثال قد أوردوا معناه في مسألة تكليف من علم الله أنه يكفر ويموت عليه، وأنكروا أن يكون ذلك نعمة وإحسانا، وسيأتي الكلام مستوفى في بيان حسن هذا التكليف، ومنه يؤخذ جواب هذا المثال.

صفحة ٥٦١